أسباب السعادة الزوجية
لفضيلة الشيخ / محمد بن عبد الرحمن العريفى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين... والصلاة والسلام على نبينا محمد, عليه و على آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات أحمد الله جل وعلا الذي يسّر هذا اللقاء بكم جميعا... وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا في هذا المجلس المبارك ممن تحفّهم الملائكة وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله تعالى فيمن عنده.
كما أسأل الله أن يجعل جائزتنا بعد تفرّقنا أن يُقال لنا جميعا قوموا مغفورا لكم وما ذلك على الله تعالى بعزيز؛ رجالا ونساءا.
أيها الأخوة والأخوات
إن الذي ينظر في حال الإنسان, يجد أن الله عز وجل لم يخلق الخلق عبثا ولم يتركهم سدا. وإنما خلقهم ليعبدوه ويحموا الدين وينصروه.
من تأمل في حال الإنسان, وجد أنه لا يمكن أن يعيش الإنسان فردا في الحياة. لا, بل إن الإنسان مدنيّ بطبعه لا بد أن يحتك بالناس , لا بد للرجل من زوجة وأولاد, ولا بد للمرأة من زوج وأولاد. لابد لشخص من جار, من زميل, من صديق, من أم, من أب, من أخ وأخت. لا يمكن أن يعيش لوحده؛ لا بد أن يكون معه قوم يعيش هو وإياهم سواء.
عندما يعيش الفتى أو الفتاة مع هؤلاء, تجد أحيانا أنه عندما يبدأ في بعض أنواع الحياة الجديدة, كأن يكون فتى أو فتاة بدأ في المرحلة الجامعية مثلا, أو بدأ في مرحلة الزواج, أو نحو ذلك... يحتاج أن تقف معه وقفات حتى تعلمه كيف يتعامل مع هذه المرحلة الجديدة.
أما اليوم, فلعلي أقف معكم على قصص لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع فتاة هي زوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.كيف كان يعيش معها صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كانت تعامله في بيته؟ وما هي المواقف التي وقعت بينه وبينها؟ ولعلي أجعل الموضوع أوسع من ذلك, بأن أتكلم أصلا عن التعامل الزوجين بناء على تعامله صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته.
أيها الأخوة والأخوات
نعلم جميعا أن الزواج نعمة من نعم الله تعالى على عباده, بل هو سنة الله تعالى في خلقه.
كما قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ثم قال: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }.
إذن الأصل أن الله عز وجل خلق آدم, ثم أخرج من ضلع من أضلاعه فتاة ـ حواء ـ أمّنا, ثم بعد ذلك جعل الله تعالى منهما الذرية. رتب الله عز وجل الأجر العظيم على العناية بالزوجة والأولاد.
كما قال صلى الله عليه وسلم: (دينارٌ تنفقه على عيالك, ودينار تتصدق به على مسكين, ودينار تنفقه في سبيل الله, خيرها وأحبها إلى الله الدينار الذي تنفقه على عيالك).
بل قال عليه الصلاة والسلام: (اللقمة تضعها في فيّ امرأتك, لك صدقة). حتى اللقمة التي يضعها الرجل في فم امرأته يكتبها الله عز وجل عنده صدقة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما, أن يضيّع من يعول). أن يضيّع زوجته, أو أن يضيّع أولاده. ولابد للزوج والزوجة أن يحترما عقد الزوجية. الزواج أيها الأخوة بالنسبة للزوجة, ليس مثل الفستان الذي تلبسه؛ إن لم يعجبها نزعته. وكذلك الزوجة بالنسبة لك أنت, أيها الرجل, ليست مثل السيارة التي تشتريها فإذا لم تعجبك بعتها بخسارة ألف وخمس مئة أو ألفين!
لا, الزواج عقد شرعي محترم ينبغي عليك أنت أن تعظّمه, كما ينبغي على المرأة أن تعظّمه.
لذا قال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع, وخير متاعها المرأة الصالحة).
وبالحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله), ثم قال: (وأنا خيركم لأهلي).
ولا بد أيضا أن يتحمل المرء تبعات الزواج. يا إخواني ترى كل إنسان يبدأ في مرحلة جديدة في حياته يكون هناك تبعات. يعني مثلا إنسان اشترى سيارة, لا بد أن يكون هناك تبعات: أن يراقب الإطارات, أن يغيّر الزيت, أن يعبّئها بالوقود مثلا, أن يغسلها إلى آخره. تبعات لا بد ينضبط بها.إنسان سجّل بالجامعة, لا بد أن ينضبط بالتعبات التي تتبع ذلك: حضور المحاضرات, شراء الكتب, الكتابة مع المدرسين, إلى غير ذلك.
كذلك الذي يتزوج, لا بد أن يتحمل تبعات ذلك: من العناية بزوجته, العناية بأولاده, استئجار المنزل أو شراءه, الإطعام لهم, الإنفاق عليهم, معالجة مريضهم. كذلك الزوجة, ما دام وافقت أن تتزوج معناه وافقت أن تخدم زوجها, وافقت أن تحمل منه, وافقت أن تُرزق بأولاد. ما تقول المرأة: أنا قلت أبغى أتزوج, بس ما قلت أبغى أجيب عيال! لا, ما دام وافقتي أن تتزوجي, معنى ذلك أنك لا بد أن تتحملي جميع تبعات ذلك.
ومن يتهيّب صعــود الجبــــال..
يعــــش أبد الدهــر بـين الحفر..
ولا بد للزوج والزوجة أيضا, أن لا يُكلّف كل واحد منهما الآخر فوق ما يطيق. يعني الآن بعض النساء إذا جلست مع زوجها, بدأت تتعبه: فلانة أجمل منا منزلا, وفلان أكثر منا مالا, وفلان أحسن منا سيارة, وفلان سافر إلى بلد كذا, وفلان تغدّى مع أولاده في مطعم كذا. وتبدأ أحيانا تتعب زوجها بمطالب, هو أصلا ما يستطيع أن يتحمل هذه المطالب.
الله جل وعلا يقول: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ... } ماذا؟ {مَعِيشَتَهُمْ}. ثم قال بعدها, {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}.
إذاً رب العالمين هو الذي حدّد أن هذا يملك ألف, وهذا يملك ألفين, وهذا عشرة آلاف. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ}.
تقول عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين: "إن كنا لننظر إلى الهلال تلو الهلال تلو الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين" يعني يا جماعة يمر عليهم شهران كاملان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: "وما أوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نـــار". فقال لها ابن أختها عروة ـ ابن الزبير ـ قال عجبا: "ما أوقدتم نار؟" كيف يعني, تأكلون اللحم نيّ؟ والرز تأكلونه نيّ؟ ما تطبخون؟ قالت لا أصلا ما عندنا لحم ولا عندنا خبز ولا عندنا شي. "إنما هما الأسودان : التمر والماء". يأكل تمرتين, ويشرب عليها كاس ماء... هذا غداءه. إذا جاء العشاء أكل ثلاثة
تمرات شرب عليها كاس ماءو هذا العشاء. جاء الصباح, أكل تمرة, شرب عليها كاس ماء, هذا الإفطار. ما عندهم بيتزا وفطاير ورز ومكرونة ولحم ودجاج وأرانب وسمك وهذا مشوي وهذا وهذا... هذا كله غير موجود. تقول: "إنما هما الأسودان: التمر والماء". ومع ذلك ما حدث عند النبي صلى الله عليه وسلم مشاكل, ولا كان تأتى إليه صلى الله عليه وسلم زوجته تقول: ترى أنا ما أتحمل هالعيش, أنا من زمان ما أكلت لحم! لا لا, ما دام أني راضية بزوجي وراضية بدينه, الدنيا أضعها تحت قدمي.
طيب السؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يا جماعة مضطر إلى هذا النوع من العيش؟ يعني هل كان هو أصلا ما هو لاقي شيء يأكله أصلا؟ أم أنه صلى الله عليه وسلم كان زاهدا؟ بل كان زاهدا.
بعد معركة حنين جُمعت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم. ترى يا جماعة أكبر غنائم جُمعت في تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم التي جُمعت في حنين. جُمع بين يديه أكثر من 60000 من الغنم, وأكثر من 30000 من البقر, وأكثر من 20000 من الإبل. يعني أنعام عظيمة, إضافة إلى الذهب والفضة والثياب وغير ذلك. جُمع في وادٍِ بين جبلين ما لا يكاد يُحصى عدده من النعم. فأقبل صفوان ابن أمية. صفوان ابن أمية ما أسلم إلا قبل كم يوم. أقبل فنظر إلى هذه النعم, فقال: يا محمد! قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تريد؟ قال: ما أكثر هـــــــــــذا! يعني هذا كثير جدا الغنم والبقر. قال صلى الله عليه وسلم له: (أعجبتك؟) أعجبك الغنم والبقر؟ (أعجبتك؟) قال: نعم. قال: (هي لك) خذها. بس تسلم. (هي لك). ثم مضى النبي صلى الله عليه وسلم وتركه. فكانت هذه النعم سببا في إسلامه. ومع ذلك يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته وقد لا يجد عندهم طعام. لأن الذي بين الرجل وبين زوجته أكبر من مسألة اشترِ لي ملابس, اشتر لي حذاء, ترى أحدث بيني وبينك مشكلة, إذهب بي إلى أهلي, أنا أغضب وأجلس عند أهلي إذا ما حصل هذا. يا أخي الذي بين الزوجين أكبر من هذا بكثير.بل إنك إذا تأمّلت بتعامله صلى الله عليه وسلم مع فتاة ـ مع عائشة ـ رضي الله عنها, لا, بل بتعامله أيضا مع بقية زوجاته لتجدن من ذلك عجبا!
صفيّة بنت حيي بنت أخطب, أم المؤمنين. أبوها حيي ابن أخطب رأس من رؤوس اليهود الكفار, وكان حيي بن أخطب من أكثر الذين يجمعون الناس ضد النبي صلى الله عليه وسلم. بعدما قُتل أبوها في بعض المعارك, تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم صفية. تدرون يا جماعة كيف تعامل معها؟ أول ما جاءت لتركب, الآن تزوجها ما دخل بها, أول ما جاءت لتركب البعير (البعير رفيع) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعد على الأرض ونصب لها ركبته. قال: اصعدي على ركبتي.
تصعد على ركبة النبي! صلى الله عليه وسلم. ما قال تعال يا بلال أحضر لنا سلّم. تعالوا يا جماعة احملوها, قربوا البعير عند شيء مرتفع. لا. جلس على الأرض, ونصب لها ركبته. قال: (اصعدي على ركبتي). فكانت رضي الله عنها من أدبها ـ أمّنا ـ استحت أن تضع قدمها على ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت ركبتها على ركبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم تعلّقت بالبعير ثم ركبت عليه.
انظر إلى هذا التعامل الرائع منه صلى الله عليه وسلم مع زوجاته.وتقول عائشة كما في صحيح مسلم: "كنت أشرب من الإناء وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم. فيضع فاه على موضع فيّ, ثم يشرب". يأتي ويقول عائشة من وين شربتي؟ تقول من هنا. يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويضع فمه ثم يشرب من نفس الموضع الذي شربت منه عائشة. طيب يقدر يشرب من أي مكان. صح ولا لأ؟ يستطيع. لكن, تلطفا مع زوجته صلى الله عليه وسلم يفعل معها ذلك. تقول: "وكنت أتعرّق العرق وأنا حائض" يعني تمسك القطعة من اللحم, ثم تأخذ منها لقمة, تعضّها, فيأخذها النبي صلى الله عليه وسلم منها فيضع فاه على موضع فمها ثم يعضّ من نفس الموضع, تلطفا منه صلى الله عليه وسلم مع زوجته.
بعض الناس يقول: إحنا فاضيين نفعل هذا؟
النبي صلى الله عليه وسلم فاضي يفعله. هذا نبي من الأنبياء, وخاتم الأنبياء, ومشغول بهموم أمة, ومع ذلك يجد النبي صلى الله عليه وسلم وقتا لأجل أن يتلطف مع أهله بمثل ذلك.
مرة من المرات, كان النبي صلى الله عليه وسلم راجعا من سفر مع أصحابه. في أثناء الطريق ـ كانت معه عائشة ـ شعر النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة تعبت, يريد أن يوسّع صدرها. فقال للجيش, (تقدموا عنا). يا رسول الله نتركك لوحدك؟ قال (تقدموا عنا). تقدموا واتركوني أنا وعائشة. تقدم الجيش عنهم, ثم التفت إلى عائشة. قال عائشة. قالت: لبيك. قال: (تسابقيني؟) تسابقيني يا عائشة. يمزح معها, يعلب: تسابقيني؟ قالت نعم. تقول: "فسابقته
فسبقته". تقول كنت لا أزال قوية ولست سمينة, فسبقته. تقول, سكت. مشّاها. فلما كان بعد زمان, رجعنا من سفر. فلما اقتربوا قال صلى الله عليه وسلم لها, عائشة. قالت: نعم. (قال للجيش تقدمو فتقدموا). قال عائشة, قالت نعم؟ قال: (تسابقيني؟) هي المرة الأولى سبقت, قالت أكيد بسبق المرة الثانية. قالت: نعم. تقول: "فسابقني, فسبقني." بدأوا يتسابقون تقول
"فسبقني". اسمع ماذا قالت. تقول: "فلما مرّ بي... " الآن عائشة ركضت, ثم ركض النبي صلى الله عليه وسلم وراءها فمرّ بها وهو سابقها تقول " ضرب بين كتفيّ". يعني: سبقتكِ. (ضرب بين كتفي) عندما عدّاها. سبقها. ثم عندما وصلت إليه. قال لها: يا عائشة. قالت نعم. قال (هذه بتلك). يعني وحدة بوحدة. إنتِ سبقتي المرة الأولى, وسبقتكِ المرة الثانية.
لاحظوا يا جماعة يقول هذا الكلام وهو راجع من سفر!! يعني الآن نحن الواحد في السيارة, وإذا سار يمشي في السيارة أربع خمس ساعات ضاق صدره ما تحمّل الأولاد يتكلموا, ما تحمّل أحد يقول أبغى الحمام, أبغى ماء, أبغى تشتريلي كذا. ما يتحمّل: أنا تعبان ومسافر. ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء سفره و قد يكون ماشيا أو على بعير... لاحظ إنسان راكب على بعير أربع خمس ساعات, يعني لا شك أنه سيتعب تعبا شديدا, ومع ذلك يتحمل النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلطف مع زوجته, أن يمازحها, أن يلاعبها, بل كان يتودد معها حتى كان يشاركها في عمل البيت.
عند البخاري أن عائشة سألتها امرأة, قالت "هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع شيئا في بيته؟" يعني تسألها المرأة تقول النبي صلى الله عليه وسلم برّة البيت يجيب الناس ويقاتل ويحارب في سبيل الله ويجاهد... جوّة البيت ماذا يفعل؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: " كان صلى الله عليه وسلم يخسف نعله" إذا انقطع النعال بنفسه يخيطه, "ويخيط ثوبه, ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته" ثم قالت: "وكان ألين الناس" بسّاما, ضحّاكا... كان يمزح مع أهل بيته ويضحك ويعلّق عليهم. ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل البيت ثم يكون يعني حرّاراً صخّابا فرّاقا, يضرب هذا ويصرخ بذاك كما يفعل بعض الناس اليوم. الآن بعض الناس إذا وجدته مع زملائه, ما تجد أحسن منه ولا ألطف منه. جميل المعشر, لطيف الأخلاق, مبتسم المحيّا, بشوش الوجه... ما أحسن من أخلاقه. لكن تعال انظر إلى تعامله مع أهله, تجد أن الميزان ينقلب رأسا على عقب. السبب في ذلك أنه إذا جاء إلى زوجته ما يحتاج أن يجاملها, هو يجامل زملاؤه لأنه يحتاج من هذا واسطة, يحتاج من هذا غرض, يحتاج من هذا سلفة...لا بد أن يحسّن علاقته معهم. لكن إذا جاء إلى زوجته, بدأ يغيّر أخلاقه قد يخرج أحيانا عن الأخلاق الطبيعية.
كان صلى الله عليه وسلم من ألطف الناس مع أهل بيته, ومع ذلك أيها الأخوة ليس فقط هذا واجبا على الزوج ـ التلطف ـ بل الزوجة أيضا يجب عليها أن تكون كذلك. الرجل يحب أن
يرى زوجته محتفية به في خلوته, مهتمة به في بيته, صادقة في مودته.... كم من الزوجات تتكاسل عن ذلك؟ وتكله إلى غيرها.
أحيانا في بعض البيوت, الخادمة تطبخ للزوج الطعام, وترتّب فراش المنام, بل قد تقدّم الخادمة طعامه بين يديه, وتقرّبه بين يديه... فإذا عطش صاح باسم الخادمة, وإذا جاع اشتكى إلى الخادمة. الخادمة تغسل ثيابه, وتكرم ضيوفه وأصحابه, وزوجته على فراشها نائمة, أو على أريكتها هائمة, لا تحرّك ساكنا, ولا ترعى بيتا.
المرأة ينبغي عليها أن تكرم زوجها ليكرمها, وأن تخدمه ليخدمها. إذا كانت له أمة, صار لها عبدا. وإن كانت له أرضاً, صار لها سماءا.
كما قال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا} لاحظ العبارة: لتسكنوا. لاحظ العبارة. يقول: { لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ثم قال: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً }.
المودة في الظاهر؛ يعني ما يشد معها في الكلام, ما يقصوا عليه, ما يتعامل بغلظة.
ثم قال {وَرَحْمَةً}؛ في داخل القلب يرحمها, يعطف عليها, يكون ليّنا معها, محسنا إليها. كل هذا إذا تعامل بين الزوجين أحدهما مع الآخر, صارا بذلك موفقين.
انظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم, انظر إلى القصص العجيبة لأمنا الفتاة عائشة رضي الله تعالى عنها.
كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتتبع الزلّات في بيته.الآن يا جماعة بعض الناس , إذا مشى في البيت لو يجد حبّة واقعة على الأرض, أو يجد كأس منكسر, أو يفتح الثلاجة ويجد خبز لم يوضع في كيس أو يجد سدرا لم يُغطّى أو يجد شيئا.... عمل في البيت قضية. بدأ يصرخ على هذا , ويهاويش, ويسب زوجته, ويفعل....
النبي صلى الله عليه وسلم يا إخواني, ما دام الملاحظات ملاحظات دنيوية, ما كان يلتفت إليها. يقول أنس: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين, والله ما قال لي لشيء قط فعلته لمَ فعلته,؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟"
كان صلى الله عليه وسلم يدخل أحيانا على أهل بيته في الضحى وهو جائع. جائع! فيقول لهم: عندكم طعام؟ يسأل أهل بيته عندكم طعام؟ فيقولون, لا ما عندنا طعام. فماذا كان يقول؟ ما كان يقول: ليش ما عملتم إفطار, طيب ليش ما أخبرتيني أشتري أغراض بالأمس, طيب ليش ما
طلبتي من جيرانا, طيب أنا جائع الآن دبّريلي إفطار. لا لا لا ما كان يعمل مشكلة. يقول عندكم طعام؟ يقولون لا, فيقول: (إني إذا صائم). انتهى الموضوع. يكمله صوم إلى المغرب. ولا كان يعمل قضية كبيرة لسبب مثل هذا. (إني إذا صائم) وينتهي الأمر. ما كان صلى الله عليه وسلم يحدث مشاكل بسبب أمثال هذه التصرفات.
تقول عائشة كما عند مسلم: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نساءه قط, ولا ضرب خادما قط, ولا ضرب شيئا بيمينه قط إلا أن يجاهد في سبيل الله". ثم قالت: "وما نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه, إلا أن تنتهك حرمة من محارم الله". إذا كان الأمر حرام, نعم.. يغضب النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ما دام المسألة أمور الدنيا, لم يغضب.
الآن يا جماعة بعض الناس, لو مثلا يوم من الأيام يأتي ولده بيذهب إلى المدرسة في الصباح, يمر على أبيه: بابا عطني ريال ريالين أذهب المدرسة. الأب يبحث, ما يجد فكة, ما يجد ريالات. فيُخرج, مثلا, عشرة ريالات فئة واحدة أو خمسين رايالا. يقول : خذ هذه خمسين ريال, لكن انتبه! لا تصرف الخمسين ريال كلها, اصرف منها ريالين ورجّع 48 ريال. ريال ينطح ريال. إذا نقص ريال ترى والله لأطردك و لـ.... إذا رجع الولد من المدرسة وهو صارف الخمسين ريال كلها. يعني تحمّس وباشر على زملاؤه, وصار ذاك اليوم كريم وكذا. راحت الخمسين ريال. ماذا يفعل به أبوه؟ يضربه, ويصرخ عليه: أنت غبي, أنت أصلا مفروض ما أعطيك فلوس, محروم من المصروف الشهر كله, ويعمل له قضية بسبب الخمسين ريال. لكن لو رجع الأب يوم من الأيام من صلاة العصر ووجد ولده نائم ما صلّى مع المسلمين... هل سيغضب هذا الغضب؟ الأمر أكثر من ذلك بكثير. لو أب اشترى لولده غطرة جديدة, أو اشترى له ثوبا جديدا, ثم جاء الولد يلعب بقلم معه ففتح القلم فانسكب الحبر على الثوب فأفسده, أو انسكب على الغطرة فأفسدها يعمل له الأب قضية. لكن لو الأب ذات يوم رأى ولده مثلا ينظر إلى محرّم في تلفاز أو عنده مجلة فاسدة لما غضب هذا الغضب.
يا إخواني, هذا الفرق بين من يكون غضبه لله وبين من يكون غضبه لغير الله.
بل كان صلى الله عليه وسلم شديد المجاملة لأهله. عند البخاري: دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى بيته, فقال: (أعطوني طعاما) فقدّموا له طعاما. لما أعطوه الطعام, الطعام هذا يا جماعة كان ناشف, يعني ما كان طعاما رطبا... يعني مثل خبز يابس أو كذا, فاحتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء يرطّبه. يعني مثلا حليب, لبن, مرق, يجعله معه يرطّبه. فقال: (هل عندكم من إدام؟) عندكم شيء يعني نسلّك الطعام؟ (عندكم إدام؟) قالوا يا رسول الله ما عندنا
إلا الخل. تعرفون الخل. الخل مرّ وحامض حموضة شديدة. يعني الآن لو تشرب لك ملعقة من الخل وقفت هنا. فما بالك واحد يأكل خبر يضعه في الخل ويأكل. النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد يحرجهم. هم الآن الجود من الموجود, ما عندنا غير الخل. قال هاتوا الخل. فأحضروا له الخل ووضعوه بين يديه. جعل النبي صلى الله عليه وسلم يأكل من الطعام ويجعل في الخل ويأكل. وحتى ما يحرجهم, كان يقول (نعم الإدام الخل). نعم الإدام الخل. الطبخة اليوم جيدة. حتى يُدخل السرور على قلوبهم.
بل كان صلى الله عليه وسلم يصبر على أذى أهله. عند النسائي أنه صلى الله عليه وسلم بات ليلة عند عائشة. وهذه قصة الفتاة العجيبة. بات عند عائشة. فلما كان الليل, عائشة انقلبت يمين يسار, ما شعرت النبي صلى الله عليه وسلم جنبها. وتعلمون الغيرة التي تقع بين النساء. كيف؟ هذه ليلتي, لا يكون ذهب إلى أم سلمة ولا إلى حفصة ولا إلى زوجة ثانية؟ وقع في نفسها ما يقع من غيرة بين الضرائر. فقامت فتلمّست, قامت جلست على الفراش... تتلمّس, وينه؟ إلا النبي صلى الله عليه وسلم ما هو موجود على فراشه. قالت أكيد هو الآن عند ... هذه ليلتي! يتركني ويذهب! فقامت في الظلمة, ظلام, وقامت تبحث في الغرفة. فبينما هي كذلك, فإذا النبي صلى الله عليه وسلم نائم ولكن مع النوم ابتعد قليلا... فأثناء بحثها وقعت يدها في شعره صلى الله عليه وسلم. كان شعره طويل فوقعت في شعره. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (جاءكِ شيطانك؟) جاءك إبليس؟ قالت: وأنت ما لك شيطان؟ أنت بعد يجيك شيطان... أنت ما لك شيطان؟ قال: (بلى, ولكن الله أعانني عليه فأسلم). الحمد لله الله أعانّي على شيطاني.
وفي رواية أخرى, تقول عائشة: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه, فجعلت أتجسس أبحث عنه في الغرفة. قالت بينما أنا أبحث عنه, إذ وقعت يدي ـ الآن هي تقول أكيد راح عند وحدة من نسائه! ـ تقول: بينما أنا أبحث عنه إذ وقعت يدي على قدمه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد, وهو يقول: (سبحانك وبحمدك, لا إله إلا أنت.. سبحانك وبحمدك, لا إله إلا أنت.. ) فقالت عائشة: بأبي أنت وأمي, إنك لفي شأن, وإني لفي شأن آخر. أنت تصلي وتتعبد وأنا أظنك عند حرمة من حريمك. إنك لفي شأن, وإني لفي شأن آخر.
وعند النسائي بسند حسن أنه صلى الله عليه وسلم أتى مرة إلى بيت عائشة في ليلتها. فوضع نعليه من رجليه, ونزع رداءه ـ كانوا يلبسون إزار ورداء, مثل الإحرام ـ نزع رداءه... ينام
رجل عند زوجته, وضعه ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم على فراشه. لبث قليلا, ساكت, انتهى من الأذكار... وعائشة نائمة. فلما ظن أن عائشة قد رقدت, قام صلى الله عليه وسلم من فراشه رويدا رويدا, ثم لبس رداءه رويدا رويدا, ثم لبس نعليه ثم أقدم إلى الباب وفتحه شوي شوي ثم خرج صلى الله عليه وسلم وأغلق الباب بهدوء. عائشة ما نامت, ورأت هذه الحركة, قالت هذه واضحة. ليلتي, بيعطيها حرمة ثانية من زوجاته. هذه واضحة. المرة الأولى وجدته يصلي, الآن قام وخرج من البيت بنصف الليل, وين رايح؟ تقول عائشة: فقمت. دخلتها غيرة النساء من شدة محبتها له صلى الله عليه وسلم. قالت فقمت, ثم لبست درعي, ولبست خماري.... لبست عبائتها وغطّت وجهها, ثم انطلقت في أثره.
قامت تتبعه والنبي صلى الله عليه وسلم خرج من البيت ومشى. ما راح لبيت أم سلمة بيت حفصة... قالت يمكن ذهب لزوجة ما درينا عنها بعد. وذهبت عائشة تمشي وراء النبي صلى الله عليه وسلم, دون أن يشعر بها في ظلمة الليل. فما زال صلى الله عليه وسلم يمشي يمشي حتى وقف على مقبرة البقيع. فوقف عند المقبرة ينظر إلى قبور أصحابه الذين عاشوا معه مجاهدين وماتوا شهداء صالحين. الذين اجتمعوا تحت الثرى ليرضى عنهم من يعلم السر وأخفى. أخذ صلى الله عليه وسلم ينظر إلى قبورهم ويتذكر أحوالهم ثم رفع يديه ودعا الله لهم دعاءا طويلا, ثم خفضها, ثم أخذ ينظر إلى القبور, ثم رفع يديه, ثم دعا دعاءا طويــــلا, ثم خفضها, ثم أخذ ينظر إلى القبور, ثم رفع يديه ودعا الله لهم دعاءا طويلا ثم خفض يديه. وأطال القيام, وعائشة أطالت الوقوف والإنتظار. بتشوف بعد المقبرة وين بيذهب؟ واقفة تنظر إليه. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلما ألتفت خلفه ـ بيرجع للبيت ـ عائشة لما رأت أنه يلتفت مباشرة التفتت وراءها ومشت. النبي صلى الله عليه وسلم رأى سوادا من بعيد في ظلمة الليل قال مين هذا اللي يراقبني؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أسرع في مشيه, فأسرعت عائشة في مشيها, فأحضر ـ بدى يجري ـ فأخذت عائشة تجري. المهم عائشة سبقت.. ودخلت البيت.. أغلقت الباب.. نزعت درعها, خمارها,تحت اللحاف.. نوم. النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت. يا عائشة؟ عائشة: نــــــوم. لكنها نائمة, ومع الركض تتنفس بشدة من شدة التعب. فقال يا عائشة؟ وهي تتصنع أنها نائمة. قال (يا عائشة ما لي أراكِ حشيا راضية؟) ليش النَفَس يتردد؟ إنتِ نايمة ما هي مشكلة, نايمة. لكن اللي نايم ما يتنفس هكذا. قال ما لي أراكِ حشيا راضية؟ ليش الصدر محشو؟ فالتفتت إليه.. خلص درت النبي صلى الله عليه وسلم عارف. قالت لا شيء.
قال: (لتخربني, أو ليخبرني اللطيف الخبير.) أخبريني أو رب العالمين ينبئني بالعلم. قالت عائشة: يا رسول الله, أنا رأيتك خرجت, وأنا أحبك, ما أريدك تذهب إلى غيري. فخرجت وراءك أمشي... وأعطته القصة كلها. قال: (يا عائشة, فـأنت السواد الذي رأيته أمامي؟) أنتِ السواد الذي قاعد أتبعه أنظر وين يذهب؟ أنتِ السواد الذي رأيته أمامي. قالت نعم. فالنبي صلى الله عليه وسلم دفع في صدرها دفعة, ثم قال: (يا عائشة, أظننتي أن يحيف الله عليكِ ورسوله؟) يعني خفتي أظلمك؟ ليلتي تعطيها وحدة ثانية.. معقول إني أظلم أنا بين نسائي ما أعدل؟ أظننتِ أن يحيف الله عليكِ ورسوله. فقالت عائشة, يا رسول الله استغفر لي. فالنبي صلى الله عليه وسلم استغفر لها. ثم قال: يا عائشة... الآن يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع رأسه وينام, خلص هي عرفت أنه ذهب للبقيع و لكن يريد أن يبين لها, حتى ما يبقى في قلبها شيء, ليش أنا طلعت في الظلام وذهبت إلى البقيع. ممكن أذهب لهم بعد صلاة الفجر, ممكن أذهب في الظهر, ليش في ظلمة الليل خرجت؟ قال صلى الله عليه وسلم لها: (يا عائشة إن جبريل أتاني , ولم يكن يدخل عليكِ وقد وضعتي ثيابك.) يعني جبريل جاءني يريد حاجة لكنه لا يريد يدخل البيت علينا وأنتِ قد نزعتي ثيابك. (فناداني بصوتٍ منخفض. فأجبته وأخفيته منك, وظننت أنك رقدت.) ثم قال صلى الله عليه وسلم : (وكرهت أن أوقذك خشية أن تستوحشي). يقول ما أود أن أوقظك, أريد أنك تبقي نائمة حتى ما تستوحشي... يعني تقولي وين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم؟ أين غاب, كذا. يقول ودّي أذهب وأرجع وأنتِ على نومك حتى ما أزعجك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فأمرني أن أذهب إلى أهل البقيع, فأستغفر لهم فذهبت فاسغفرت لهم).
انظر كيف كان صلى الله عليه وسلم يا جماعة, ما يكبّر الأخطاء. يعني ما كان يعمل قضية: أنتِ ما تستحي يعني تشكي فيني, والله العظيم إنك كذا. لا لا لا, ما كان يعمل قضية. خلاص أخطأت في هذا.
بل كان صلى الله عليه وسلم أيضا يتغاضى عن أخطاء أهله وما لا يرضى. إذا رأى شيئا ما لا يرضاه, ما كان صلى الله عليه وسلم يعمل قضية منه.
يقول الإمام أحمد رحمه الله: بعدما ماتت زوجته أم عبد الله, كان يقول: اللهم ارحم أم عبد الله, ويدعو لها ثم يقول: والله لقد لبثنا عشرين سنة ما اختلفنا في شيء.
معقول يا جماعة؟ واحد عشرين سنة مع زوجته ما اختلفوا في شيء؟ على الأقل هو يقول لها يوم نريد ناكل اليوم دجاج هي تقول لا, نريد ناكل اليوم لحم! طبيعي أن يقع خلاف بين الزوجين, لكن يقصد أبو عبد الله ـ الإمام أحمد ـ أني ما كنت أعمل قضية إذا هي غضبت, أرضيتها...
إذا أنا غضبت أرضتني... وبالتالي ما كان كل واحد منهم يكبّر الصغائر ويعمل قضايا من هذه الأمور.
في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا في يوم عيد مع عائشة. طبعا تعلمون بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان ملاصق للمسجد. يعني لو بتطل من الجدار مباشرة ترى المسجد. حتى النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان لما قام يصلي, رأى الصحابة رأس النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى البيت, فقاموا وهم في المسجد يصلون بصلاته. إذاً, كانوا يصلون وراءه لأنهم يرون رأسه, كان الجدار قصيرا.
المهم النبي صلى الله عليه وسلم جالس يوم من الأيام مع عائشة في البيت. فسمع في يوم عيد سمع جلبة في المسجد. سمع أصوات وحركة, فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وطلّ إيش اللي حاصل في المسجد؟ طلّ, فرأى قوما من مسلمي الحبشة . حبشة بدأوا يدخلون في الإسلام ويأتون إلى المدينة يسكنون فيها. يقول رأى قوما من الحبشة يلعبون بالحراف. ياخذ الحرفة ويرميها فوق بعدين يقفز يأخذها. وكان لهم لعب عجيب بالحراف.
النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه المنظر. فالتفت إلى عائشة, قال عائشة. قالت نعم. (هل تحبين أن تنظري؟) لا يفوتك يا عائشة.. هل تحبين أن تنظري؟ قالت نعم. قال تعالي. جاءت عائشة تنظر لكن المشكلة الجدار رفيع على عائشة. النبي صلى الله عليه وسلم طويل يستطيع أن يرى, لكن عائشة قصيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع كتفه لها, وجاءت عائشة وتعلّقت بكتفه ورفعها, حملها وجعلت تنظر, تنظر, تنظر... وقد وضعت جسمها وضعته على كتفه, اتكأت وهي تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون. طبعا هم ما يرونها, هي تراهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم تعب, قال لها: أشبعتي؟ قالت لا. انتظر. انتظر. طيب ما هي اللعبة متكررة هي حركة وحدة يرمي الحربة وياخذها, هي قضية؟ فتعب, قال: أشبعتي؟ قالت لا, مرة ثانية... سكت. حاملها, حاملها, حاملها, قال أشبعتي؟ قالت لا, أبغى أشوف. فالنبي صلى الله عليه وسلم تركها إلى أن قالت شبعت. فعدّل ظهره النبي صلى الله عليه وسلم وأنزلها.
تقول عائشة رضي الله عنها بعد ذلك: "والله لقد كنت قد شبعت من المرة الأولى, ولكني كنت أقول لا لا, لأنظر منزلتي عنده" هل بيقول خلـا ص انزلي؟ ولا بيصبر لأني غالية. تقول " لأرى منزلتي عنده, ولليتسامع بذلك بقية النساء" تقول حتى بقية النساء يقولون شايلها عشر دقايق كاملة, ربع ساعة كاملة شايلها... لكن لما يقولوا اتكأت عليه شافت ورجعت ما هي طويلة. شايلها إلى أن نظرت وشافت الحركة كلها, تريد أن تتسامع بذلك بقية النساء.
انظر كيف عقل المرأة, لكن مع ذلك انظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلطف. هذا التلطف يا إخواني منه صلى الله عليه وسلم مع نسائه, جعلهن يحببن أشد من حبهن لأنفسهن, ولأولادهن.. بل يحبنه صلى الله عليه وسلم أكثر من حبهن لآباءهن وأمهاتهن.
انظر مثلا إلى أبي سفيان لما جاء إلى المدينة قبل أن يسلم. تعلمون أن قريشا النبي صلى الله عليه وسلم عمل بينه وبينهم هدنة (صلح الحديبية) فنقضته قريش فجاء أبو سفيان يريد يرجّع الصلح. دخل أبو سفيان المدينة قبل أن يدخل الإسلام و كان كافرا. أقبل أبو سفيان يلتفت في المدينة, في السابق ما كان في فنادق, وشقق مفروشة. وين يذهب؟ ولا عنده ابن عم ولا ابن خال. ما في إلا ابنته أم حبيبة, رملة بنت أبي سفيان زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. فأقبل أبو سفيان وطرق الباب على ابنته, زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت أسلمت قبل, وزوجها قيل أنه ارتد وقيل أنه توفي عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعده. المهم, أقبل أبو سفيان ودخل. دخل على ابنته أم حبيبة ووجد بساط على الأرض. أقبل ليجلس على البساط, جاءت أم حبيبة مسرعة ثم أخذت البساط وطوته ورفعته على جنب. نظر إليها.. يعني ما في إلا التراب الحين, اجلس على التراب. فنظر إليها فقال: يا بنية, أنا ما أدري أرغبتي بي عن هذا الفراش؟ يعني أنا أرفع من أن أجلس على فراش قديم لأني سيد؟ أم رغبتي بالفراش عني؟ ولا أني أنا حقير ما أستحق أجلس على فراشكم؟ قالت بل رغبت بالفراش عنك. هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس عليه وأنت مشرك نجس ما تجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم. يا جماعة تقول هذا الكلام لأبيها! يعني من عظم المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم فالتفت أبوها إليها يا بنية لقد أصابك بعدي شر. لا والله أصابها خير, ما أصابها شر. لكن يقول إنك قد تغيّرتي عليّ.
بل إنكم لو تأملتم معي, لوجدتم يا إخوانى أنه صلى الله عليه وسلم مع شدة العيش بينه وبين أهله إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلطف. طبعا هذا التلطف يا جماعة ما يعني إنه ما يقع في البيت مشاكل. لا نحن بشر, نعلم يقع مشكلة بين الزوجين, مشكلتين ثلاث.. لكن المشكلة التي تستمر لمدة أسبوعين, ثلاثة وكل واحد رافع أنفه على الثاني, ما يريد أن يتنازله.. هذه مشكلة.
أبعطيكم الآن موقف حصل في المدينة, اهتزت المدينة كلها لهذا الموقف. موقف, ليس من الروم جاءوا غزو المدينة, وليس من الكفار... لا, مشكلة أسرية وقعت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بينه وبين زوجاته اهتزت المدينة كلها لهذا الموقف.
خذه من كلام عمر ابن الخطاب, يقول عمر رضي الله عنه, طبعا عمر ما كان ساكن في المدينة.. ما كان ساكن قريب من المسجد عند النبي صلى الله عليه وسلم. كان ساكن في مكان بعيد.
فكان لما يريد يأتي يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم مسافة طويلة. يأتي ويصلي ويرجع. فكان يصلي في مسجد قريب عنده. يقول: فكنت أنا وجار لي من الأنصار ـ جيران ـ ما نريد نفوّت على أنفسنا الأخبار والعلم الذي في المدينة. فأنا عندي مزرعة وجاري عنده مزرعة. كل يوم واحد منا ينزل. يعني اليوم يوم السبت أنا أنزل للمدينة وأجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم, وأشتري أغراض لي ولجاري أشوف الأمور وأحفظ الأحاديث والأحكام والوقائع. وجاري الأنصار يعتني بمزرعتي ومزرعته. وغدا الأنصاري ينزل وأنا أجلس في المزرعتين وأعتني بها. المهم مشت الأمور على ذلك.
يقول وكنا نتحدث أن الروم الغساسنة كانوا سوف يغزوننا. سامعين أنه في غزوة بتأتي لكنا ما ندري متى سيأتون. يقول وكنا أيضا نحن, معشر قريش, نغلب النساء. وكنا في المدينة يعني يدق أنف زوجته ما ترفع أنفها عليه. يقول فلما جئنا إلى المدينة, رأينا أناسا ـ يعني الأنصار ـ قد غلبتهم نساؤهم. يقول فصارت نساؤنا تتعلم من نساء الأنصار, فصارت نساؤنا تقوى علينا. كانت في السابق حرمتي في مكة أقول بس خلاص, تسكت وتخاف. لما جينا المدينة, بدأت نساؤنا تتعرف على نساء الأنصار, فإذا نساء الأنصار لما يقول لها بس خلاص, تقول ليش خلاص إسمع مني. يقول فصارت نساؤنا ينبت لهم رأي. بدو يتعلمون الكلام ورفعة الصوت. يقول يوم من الأيام أنا جالس في البيت أعمل شي, يذكر مثالا.. يقول فقالت لي امرأتي لو غيرت كذا وكذا... تقترح عليه. فقال لها: وما لك أنت ولما ها هنا؟ وما تكلّفك لأمر ما يخصك؟ إيش دخّلك خلك ساكتة. فقالت عجبا لك يا ابن الخطاب. بدأت ترد عليه. قالت عجبا لك يا ابن الخطاب ما تريد أن نراجعك. وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم. بنتك حفصة, ترد على النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال لها.. وأنت ما تريدني أن أرد عليك. فقال: هاه؟ قالت نعم وإنه ليظل يومه غضبان عليها. يزعل عليها إلى الليل. قال نعم؟! قالت والله إن زوجاته ليراجعنه, وإنه ليهجر الواحدة إلى الليل. يقول فلما قالت ذلك أفزعتني, وقلت خابت حفصة وخسرت. بنتي خابت وخسرت. قال ثم جمعت ثيابي وعلى طول في المدينة. فدخلت على حفصة, قلت: يا حفصة! قالت نعم. أبوها عمر. قلت: أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الليل؟ يغضب منها إلى الليل بسبب كلام تقوله؟ قالت نعم. قال: قد خبتِ وخسرت, اتأمنين أن يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكين؟ ثم قال يا حفصة, لا تستكثري من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ لا تقولي كل مرة عطني, عطني ـ ولا تراجعيه في شيء... لا تقولي, إذا قال لا, لا.. خلاص ما تتكلمي. وسليني
من مالي ما شئتِ. أي شيء ينقصك اطلبي مني أنا. ما تعملي مشكلة للنبي صلى الله عليه وسلم. أي شيء ينقص ـ شف الأب الصالح ـ اطلبي مني أنا. ثم قال: ولا يغرّنك ـ يخاف أنها تقلّد عائشة ـ قال لا يغرنك أن كانت جارتك ـ عائشة ـ أوضأ منكِ وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ترى هي أصلا تفعل هالأشياء لأنه يحبها ولأنها أجمل منك. لكن انتبهي أنتِ لو تسوي شيء طلقّك, خلّك عاقلة. ثم رجع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى بيته. لما جاء غدا أو بعد غد نزل الأنصاري إلى المدينة يشوف الأخبار, وعمر جلس في المزرعتين.
يقول عمر: فتأخر الأنصاري ـ ما جاء ـ حتى جاء الليل ونمت. أظلم الليل ونمت, صليت العشاء ونمت. يقول: ففوجئت به قد جاء يضرب الباب ضربا شديدا, ويقول: أتم أتم عمر! يا عمر يا عمر! ويصيح. قال عمر فقلت في نفسي جاء الغساسنة. دخلوا المدينة المشركين الآن, اللي نحن خايفين يحاربونا جاءوا الآن. جاء الغساسنة. قال فأخذت ثيابي وطلعت. متجهز. قتال. قلت له ما بالك؟ جاء الغساسنة؟! يعني آخذ سلاحي وفي قتال؟ قال: لا, أعظم من ذلك وأهول. قلت ما هو؟ إيش اللي أعظم من الغساسنة. فقال: طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. كل التسع طلقهم. فقلت: خابت حفصة وخسرت. أنا قايلها أمس. خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن أن ذلك يوشك أن يقع. لا يمكن يصبر عليها النبي صلى الله عليه وسلم. حفصة أنا ناصحها, ومع ذلك ما انتصحت. المهم يقول عمر, وجمعت عليّ ثيابي, وعلى طول للمسجد. في الليل. جلست فيه إلى أن أذّن الفجريرد ان يرى النبى صلى الله عليه و سلم. يقول: فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر ثم قام, كهيئة المغضب. زعلان ما يكلّم أحد. عمر لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ـ عادة إذا صلى التفت إلى أصحابه, ثم قال: هل رأى أحد منكم رؤيا, ويتلطف. هذه المرة, النبي صلى الله عليه وسلم انتهى من الصلاة فقام ودخل إلى مشربة (غرفة صغيرة ليست من بيوته, غرفة صغيرة) دخل وأغلق الباب. يقول عمر, مشكلة, الآن طلّق, ما طلقّ؟ جعل الناس يلتفت بعضهم إلى بعض وبعضهم يبكي, يقول إيش المشكلة اللي حصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم, ايش القضية, وبعضهم يبكي من محبة للنبي صلى الله عليه وسلم. عمر جلس يفكر, يا جماعة, خلني أسأل حفصة. الناس ما يقدرون يسألون حريمهم. عمر, حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. عندها الخبر اليقين. قال فقمت, فدخلت على حفصة. فإذا هي تبكي. ما دام تبكي معناها يمكن حصل شيء. قلت لها: ما يبكيكي؟ ألم أكن قد حذّرتك ذلك؟ سكتت. قلت: أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
أنا سمعت أنه طلقكن... طلقكن أم لا؟ قالت وهي تبكي: لا أدري لاأدري, هو ذا معتزل في مشربه. تاركنا وجالس في المشربة في غرفة لوحده وغضبان علينا. يقول عمر فخرجت من عندها, ما عندها علم. خرجت وذهبت إلى المسجد وجلست. فإذا قوم من المسلمين يبكون عند المنبر.
شوف يا جماعة الرحمة. يشعرون أنهم على قلب واحد. أنهم روح واحدة مفرقة في أجساد. يحصل مشكلة عند هذا يبكي هذا. يقول فإذا هم يبكون. جاء عمر وجلس معهم. عمر, ما يصبر أنه يجلس يبكي. يبغى حل. يقول فغلبني ما أجد. طيب إلى متى أبكي؟ إلى أن يؤذن الظهر؟ ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم ونسأله؟ قال فغلبني ما أجد, قلت أريد أن أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأسأله إيش القصة. قال فقمت ثم أقبلت و فإذا غلام أسود عند الباب. ممنوع الدخول. واقف. قلت: استئذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال له عمر يبغى يدخل. دخل الغلام وعمر واقف برة مشغول, ثم خرج الغلام. قال عمر: هاه؟ أذِن؟ فقال: قد ذكرتك له, فسكت. قلت يا رسول عمر عند الباب أدخله؟ يا رسول عمر عند الباب أقول له يدخل؟ يا رسول عمر عند الباب أخلي يدخل؟ والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت. سكت , يعني لا تدخل. قال عمر فرجعت إلى المسجد. قال فلما رجعت إلى المسجد جلست لكن ما أبغى أقعد أبكي. قال فغلبني ما أجد فقمت مرة أخرى وأقبلت إلى الغلام. فقلت: استذئن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالغلام هذا دخل, يا رسول الله عمر عند الباب. سكت. يا رسول عمر عند الباب. سكت. يا رسول الله... سكت. خرج قال يا عمر, والله أنا قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك لكنه ما تكلم ولا قال شي. عمر رضي الله عنه رجع مرة أخرى حتى دخل إلى المسجد. ثم جلس في المسجد يتكلم مع الناس, ويبكي معهم.. ثم غلبه ما يجد. فخرج مرة ثالثة وأتى إلى الغلام. قال استئذن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. دخل الغلام, يا رسول الله.. ما تكلم. خرج الغلام, قال خلاص. النبي صلى الله عليه وسلم ما رد علينا معناها لا تدخل. قال عمر فلما قال لي ذلك رجعت إلى المسجد, فلما كدت أن أبلغ المسجد, فإذا الغلام يصيح: يا عمر يا عمر يا عمر. فرجعت , فقال قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمر الآن يستطيع أن يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم. الآن ممكن أنه يدخل عليه. يقول فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا هو متضجع على حصير ـ من سعف النخل ـ وإذا الرداء قد سقط عن منكبه صلى الله عليه وسلم, وإذا هو كهيئة المغضب. يقول عمر فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, قلت لأضحكن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن عمر يريد أسلوب يدخل به على النبي صلى الله عليه وسلم. قلت لآضحكن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول فلما جئت إليه, قلت يا رسول الله, قال نعم. قلت يا رسول الله, إنا كنا معشر قريش في مكة إذا تكلمت زوجة أحدنا بين يديه قام إليها ففك رقبتها. إذا تكلمت قام وكسر رقبتها. ما إلها تتكلم. فجئنا إلى المدينة فصارت نساؤونا يا رسول الله تتعلم من نساء الأنصار, فصارت نساؤنا تدق رقابنا. من أول أنا أكسر رقبتها, الحين هي اللي تكسر رقبتي. ضحك النبي صلى الله عليه وسلم. عمر لما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم, شعر أن الضيق ذهب. قال عمر: يا رسول الله أجلس؟ ممكن أجلس؟ قال نعم. فجلس. ثم قال عمر: يا رسول الله, طلّقت نساءك؟ أول سؤال. منشغل بالي: طلّقت نساءك؟ قال لا. قال عمر الحمد لله. الآن ممكن الواحد ياخذ الامر. ما دام ما طلقتهم, الحمد لله. ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر, يقول عمر فجعلت أنظر في البيت, فإذا البيت ما فيه متاع, ما فيه أثاث.. وإذ ليس في البيت إلا أهفة ثلاثة. ثلاثة جلود غنم معلقة: واحد يجلس عليه... والنبي صلى الله عليه وسلم جالس على حصير فيه تراب ومؤثر في جنبه. قال عمر فبكيت. قال النبي صلى الله عليه وسلم ما بالك تبكي؟ قلت يا رسول الله: الآن فارس والروم هؤلاء نصارى يقولون الله ثالث ثلاثة وفارس يعبدون النار, وهم على الأرائك, وفي القصور, وفي الحضور وأنت يا رسول الله على هذا الحال. يا رسول الله ادعوا الله أن يوسع عليك. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية. ايش الكلام هذا, غضب. ثم قال: أفي هذا أنت يا عمر؟ هذا وقته؟ أفي هذا أنت يا عمر؟ أولائك قوم عُجّلت لهم طيباتهم في الدنيا. هؤلاء رب العالمين عجل طيباتهم في الدنيا, ونحن أخرها لنا إلى الآخرة. قلت يا رسول الله, استغفر لي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر له. ثم اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساؤه تسعة وعشرين يوما في تلك المشربة, ثم خرج صلى الله عليه وسلم إليهن بعد ذلك.
لذا أيها الأحبة, انظر... وقوع المشكلة في البيوت أمر طبيعي. لا يقول واحد يا أخي زوجتي تعمل مشاكل. أو تقول الزوجة يا أخي هذا يغضب كثير.طبيعى كل الأزواج يغضبون والنساء يغضبن ويقع منهن أخطاء. يا إخواني نحن بشر. أنت ما تزوجت ملكا من الملائكة, لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ورزوجتك ما تزوجت لها ملك ما يمكن أن يعصي أو يقع في خطأ. لا, أنت بشر وهي بشر. لكن ينبغي أن تكون عاقلا و هى تكون في عاقلة. وأن لا يتسرع أحدكما في اتختاذ قرار.
يا جماعة أسألكم سؤال. قبل سنتين أو ثلاثة نُشر في إحدى الجرائد أن عدد حالات الزواج, أولا, بلغت 65000 حالة زواج خلال سنة, وعدد حالات الطلاق في تلك السنة 15000
حالة طلاق. أسألكم سؤال يا جماعة هل تتوقعوا أن جميع هؤلاء الذين طلقوا كلهم طلقوا بناءا على تفكير ودراسة الموضوع, وركعتي استخارة, واستشارة, ونظر في العواقب, وكذا. لا, أكثر
هؤلاء الذين يطلقون إن لم أقل كلهم بناءا على غضب شديد, بناءا على تسرّع. لذلك تجد أن الواحد يطلق ثم يبحث عن شيخ يفتيه أن يرجعها له. سأذكر أن أحدهم مرة من المرات, جاءني أحد جيراني.. طلق زوجته ثم سعينا وأرجعها. قلنا له ترى ما بقالك إلا طلقتين. ثم تهاوش معها وصار مشكلة وطلقها. ثم سعينا ورجعناها, قلنا يا فلان امسك الحبل مضبوط ما بقى إلا طلقة. ثم تفاجئنا قبل أيام يمسكني, قال يا شيخ محمد, قلت نعم. قال طلّعني. قلت شو اللي حصل؟ قال طلقتها مرة ثالثة. ما تعرف لي شيخ حبيّب؟ يريد شيخ حبيّب يدبر له قول عند أبو حنيفة ولا الشافعي, يجيب له قولين يرتبهم على بعض يقول زوجتك حلّت لك.سبحان الله!
بينما لو تأملت وجدت أن بعض الأزواج عنده لطف حتى في الأخبار السيئة. من اللطائف. أذكر أن أحد زملاؤنا, هو ساكن في الدمام وأهل زوجته في الرياض. فعادة كل شهرين ثلاثة أشهر يذهب بزوجته إلى أهلها لزيارتهم.. ويتعب في الذهاب وتعمل له مشكلة حتى يذهب بها لبعد المسافة. يعني بين 400 و500 كيلو. يوم من الأيام, اتصل عليه واحد من أصهاره, أخو لزوجته. يوم الإثنين. نصف الأسبوع, قال له يا فلان, ترى والدي توفي اليوم الصباح. ودنا لو تحضر أختي عندنا يومين تحضر العزى, وتصلي عليه. قال الله يغفر له ويرحمه. رجع قبل الظهر للبيت. يلا أنا جبت الأولاد من المدرسة تجهزوا نمشي للرياض. قالت ليش ويش اللي حاصل؟ احنا لسا جايين قبل أسبوعين, والوعد بعد شهرين. وبعدين اليوم اثنين بكرة وبعده مدارس. قال المهم اذهبي في ظروف. اذهبي. قالت إيش اللي حصل. قال اذهبي. ركبت السيارة. خاف الزوج أن يقول لها منذ البدايه أبوكِ مات وتعمل له مناحة إلى أن يصل. ما هو فاضي أربع ساعات يهدّيها. فأراد أن يذكر لها الأمر بلطف. فلما كثّرت ليش نذهب اليوم؟ ايش اللي حاصل؟ أكيد حصل شي؟ أهلي ايش فيهم؟ أهلي ايش حصل لهم؟ قال بصراحة يا فلانة, قالت نعم.. قال بصراحة يا فلانة أنا بتعرفي أن الله عز وجل أحل أن الزوج يتزوج أربع نساء. أنا بصراحة تزوجت وحدة ثانية, وبكرة بدخل بها, فأضعك عند أهلك أسبوع لحد ما أكمل أيامها بعدين أجي وآخذكم. قالت ليش؟ وأنا ايش فيني؟ وحرام عليك؟ وأنا أحلى وحدة في العالم! ولا يمكن تلقى مثلي. لا يمكن تجد مثل دلالي. وتضرب يدها على الدريشة وعلى الطبلون وعلى فخذها. المهم المرأة والرجل يهديها, ولا فائدة. والرجل يهديها من هنا ومن هنا. المهم لما وصلوا للرياض بينزلها عند
أهلها, وهي المرة ما تقدر تنزل من شدة البكى والإعياء. تحتاج واحد ينزلها. قال اسمعي عاد, قال بصراحة أنا ما تزوجت ولا شي لكن أبوكِ مات اليوم الصباح. قالت يموت ولا ما يموت الله
يرحمه. أهم شيء ما تزوجت؟ يموت ولا ما يموت الله يرحمه. أهم شيء ما تزوجت؟ قال ما تزوجت. قالت الله يرحمه خلاص.
فانظر إلى تلطفه حتى في الدخول عليها. كان النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته يتعامل بمثل هذه الرفعة. وكان صلى الله عليه وسلم يلاطف عائشة. يقول لها يوما يا عائشة, قالت نعم. قال إني أعلم إذا كنتِ غاضبة عليّ وإذا كنت راضية. قالت كيف؟ قال إذا كنت راضية عني وحلفتي, قلتي: لا ورب محمد ـ صلى الله عليه وسلم. وإذا كنتِ غاضبة عليّ, قلت: لا ورب إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم. قالت نعم, والله إني ما أهجر إلا اسمك. تقول إنا ما أستطيع اني أغضب عليك, لكن اسمك لأني زعلانة ما أبغى أقوله على لساني. انظر كيف صلى الله عليه وسلم حتى نفسية زوجته كيف استطاع صلى الله عليه وسلم يتلطف وأن يحتويها.
طبعا نحن نعلم كما أن الرجل لزوجته عليه حق, كذلك هو له على زوجته حق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في المسند: (إذا صلت المرأة خمسها, وصامت شهرها, وحفظت فرجت, وأطاعت زوجها, قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد, لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).
وفي المسند أن امرأة أتت إليه صلى الله عليه وسلم, فقال لها: (أذات زوج أنتِ؟) قالت نعم. قال: (كيف أنتِ له). قالت والله ما آلوه جهدا. يعني أنا أتعب وأحاول كل شي أرضيه. فقال صلى الله عليه وسلم: (انظري كيف أنتِ له, فإنه جنتك ونارك). يعني ممكن تعاملينه بسوء, تدخلين النار, وممكن تعاملينه صح تدخلي الجنة.
نعم هذه توصي المرأة بزوجها, لكن أيضا لا ننسى الأحاديث التي توصي الزوج بزوجته. مرة من المرات عمر ابن الخطاب في بيته, فأقبل رجل من الناس. رجل بينه وبين زوجته, ويبغى تعقل, تلين. المهم المرأة ما هي متحملة. فقال الرجل سأذهب إلى عمر ابن الخطاب أشتكيها. وصل الرجل إلى عمر ابن الخطاب, لما طرق الباب طرقة. سمع صوت زوجة عمر ابن الخطاب تصرخ عليه. وعمر أصلا, كان إذا مشى في طريق, سلك الشيطان طريقا آخر من الخوف من عمر. عمر كان إذا مشى مع قوم ثلاثة, أربعة, وفجأة التفت يقع بعضهم على الأرض من هيبة عمر. وسمع زوجته تتكلم عليه. فالرجل لما سمع صار كالمستفيد من الرمضاء بالنار. جاي إلى عمر
وزوجته تصرخ عليه. ترك الباب ومضى. عمر شعر أن عند الباب واحد. فخرج عمر, فرأى الرجل موليا. قال تعال تعال. فأقبل إليه. قال له عمر ما بالك؟ أنت الآن جئت إلى الباب ثم رجعت. فقال له ذلك الرجل يا عمر, إني جئت لأشتكي إليك زوجتي فتفاجئت أنك أنت بينك وبين زوجتك مشكلة. فقال له عمر, يا رجل إنها زوجتي و صانعة طعامي, وأم أولادي, وموضع شهوتي, وغاسلة ثوبي, ومدبرة شأني... أفلا أصبر منها على شيء يسير لأجل هذا. خلها تصرخ مرة مرتين في الشهر إيش القضية؟ هذا لا يعني أن الواحد يكون كالحمل الوديع وزوجته تضرب وتهين, وهو يقول يا زوجتي الحبيبة. لا لا, الرجل يكون رجل.
وكونّا ذكرنا هذا عن عمر, ما يعني الواحد من زمان امرأته تقصر يقول خلص أنا زي عمر. لا ما أنت زي عمر. عمر مرة من المرات زوجته صرخت عليه, مو دايما. لكن مع ذلك يجب أن توزن الأمور بموازينها. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم خيركم لأهله). ويقول صلى الله عليه وسلم: (لقد طاف بآل محمد نساء كثير, يشتكين أزواجهن) ثم قال (والله ما أولئك بخياركم). إذا ليس من خيار المؤمنين الرجل الذي يضر زوجته. أخيرا ليحذر الزوجان من إدخال أطراف أخرى لحل المشاكل بينهما. ما في داعي كل مشكلة بينك وبين زوجتك يعرفها زملاؤك وجيرانك وأصدقائك وإخوانك وأصحابك وابن عمك وابن خالك.. ما في داعي. حل المشكلة بينك وبينها. إذا كبرت المشكلة ممكن يدخل شخص رفيق, حكيم يحل المشكلة.
كذلك الزوجة ما في داعي تكون وكالة أنباء. تجلس في الغداء عند أختها وتعطيها الموجز. ثم بعد العصر تجلس عند ثانية تعطيها الموجز. ما في داعي.المشكلة إذا كبرت جدا ممكن يكون حكما من أهله وحكما من أهلها, لكن أن يكون الأمر على ذلك, هذا الذي ينبغي أن نحذر منه.
أسأل الله تعالى بمنه وكرمه, أن يوفقني وإياكم جميعا إلى كل خير. وأن يجعلني وإياكم مباركين أينما كنا.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين, واجعلنا للمتقين أئمة.
هذا وأسال الله أن يجزيكم أيها الأخوة والأخوات خير الجزاء على حرصكم على الحضور وعلى لطافة استماعكم, وأسأل الله أن لا يحرمنا وإياكم الأجر والثواب.
والله أعلم