ذكريات تائب
لفضيلة الشيخ / محمد بن عبد الرحمن العريفى
الملخص:
فاجمع قواك لما هناك و اصبر ساعة لزمــــاني..
ما هاهنا و الله ما يسوى كلامة ظفر واحدة ترى بجناني..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لااله الا هو و اليه المصير
الحمد لله الذي يقول للشئ كن فيكون و برحمته نجى موسى و قومه من فرعون
الحمد لله الذي كان نعم المجيب لنوح لما دعاه و برحمته كشف الضر عن يونس اذ ناداه وا شهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله،صلى الله و سلم و بارك عليه ما ذكره الذاكرون الابرار،و صلى الله و سلم و بارك عليه ما تعاقب الليل و النهار،ونسال الله تعالى ان يجعلنا من امته و ان يحشرنا يوم القيامة في زمرته .
اما بعد:
فهذه ذكريات و مشاعر و همسات افضى بها التائبون و اعتبر بها المذنبون،نعم،هي ذكريات اعترف بها كهول هدهم مر السنوات و شباب لعبت بهم الشهوات و فتيات ولغن في الملذات.
هي ذكريات مرت و انقضت و انتهت و نسيت لكنها سجلت و كتبت و احصيت و عدت،هي ذكريات تائب و اعترافات منيب و راغب في زمن كثرت فيه المغريات و تعددت الشهوات و زلت
بكثير من الناس الاقدام،فقارفوا المعاصي و الاثام فضعف ايمانهم و قوي عليهم شيطانهم.انها ذكريات لمن يؤمن بقوله تعالى {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الحجر/ 49} كما يؤمن بقوله تعالى{وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ {الحجر/ 50} .هذه اخبار اقوام اخبر ربهم عز و جل انه يفرح بتوبة التائبين اليه مع غناه عنهم و شدة حاجتهم اليه،و كيف لا يفرح ربهم بتوبتهم اليه وهو الذي ناداهم بقوله "يا عبادي انكم تخطئون بالليل و النهار و انا اغفر الذنوب جميعا فاستغفروني اغفر لكم"،و ناداهم نبيهم صلى الله عليه و سلم بقوله(ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار و يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها).
اول هؤلاء التائبين شيخ كبير نجلس اليه بعدما كبر سنه و رق عظمه و كف بصره،نجلس اليه وهو يحكي ذكريات شبابه ،نجلس الى كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو يحكي ذكرياته في تخلفه عن غزوة تبوك و كانت اخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه و سلم .اذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل و اراد ان يتاهبوا اهبة غزوهم،جمع منهم النفقات لتجهيز الجيش حتى بلغ عدد ذلك الجيش 30 الفا،وذلك حين طابت الثمار و الغلال في حر شديد و سفر بعيد و عدو قوي عنيد. كان عدد المسلمين كثير و لم تكن اسمائهم مجموعة في كتاب،قال كعب كما في الصحيحين
" وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين و انا اقدر شئ في نفسي على الجهاد و انا في ذلك اصغي الى الظلال و طيب الثمار فما أزل كذلك حتى قام النبي صلى الله عليه و سلم غاديا بالغداة فقلت غدا انطلق الى السوق فاشتري جهازي ثم الحق بهم،فانطلقت الى السوق من الغد فعسر علي بعض شاني فرجعت ،ثم قلت ارجع من غد الى السوق فالحق بهم فعسر علي بعض شاني ايضا،فقلت ارجع من غد،فلم ازل كذلك حتى مضت الايام و تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم،فجعلت امشي في الاسواق و اطوف في المدينة فلا ارى الا رجلا مغموصا عليه في النفاق او رجلا ممن عذره الله تعالى .نعم، تخلف كعب في المدينة اما رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد مضى باصحابه الثلاثين الفا حتى اذا وصل تبوك، نظر في وجوه اصحابه فاذا به يفقد رجلا صالحا ممنن شهدوا بيعة العقبة فيقول" ما فعل كعب بن مالك"، فقال رجل" يا رسول الله،خلفه برداه و النظر فى عطفيه"-يعني انه اراد الراحة و جلس في المدينة – فقال معاذ بن جبل"بئس ما قلت و الله، و الله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا"، فسكت النبي صلى الله عليه و سلم، قال كعب"فلما قضى النبي صلى الله عليه و سلم غزوته و اقبل راجعا الى المدينة، جعلت اتذكر بماذا ا خرج من سخطه اذا دخل علينا و استعين بكل ذي راي من اهلي حتى اذا وصل المدينة عرفت اني لا انجو منه الا بالصدق".دخل النبي صلى الله عليه و سلم المدينة فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون اليه ويحلفون له و كانو بضعة و ثمانين رجلا فقبل منهم النبي صلى الله عليه و سلم علانيتهم و وكل سرائرهم الى الله تعالى و استغفر لهم.و جاءه كعب بن مالك فلما سلم عليه نظر اليه النبي صلى الله عليه و سلم ثم تبسم تبسم المغضب ثم قال"تعال" فاقبل كعب يمشي اليه فلما جلس بين يديه قال له صلى الله عليه و سلم ما خلفك ؟"الم تكن قد ابتعت ظهرك؟" قال"بلى" قال"فما خلفك؟" قال كعب"يا رسول الله اني و الله لو جلست عند غيرك من اهل الدنيا لرأيت اني اخرج من سخطه بعذر،فقد اعطيت جدلا و لكني و الله علمت اني اذا حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي ليوشكن الله ان يسخطك علي، و لان حدثتك حديث صدق تجد علي فيه،اني لارجو فيه عفو الله عني, يا رسول الله و الله ما كان لي من عذر و الله يا رسول الله ما كنت قط اقوى و لا ايسر مني حين تخلفت عنك"، ثم سكت كعب بن مالك فالتفت النبي صلى الله عليه و سلم الى اصحابه و قال"اما هذا فقد صدقكم الحديث، قم حتى يقضي الله فيك"، قام كعب يجر خطاه و من خرج من المسجد مهموما مكروبا لايدري ما يقضي الله تعالى فيه، فلما راى قومه ذلك تبعه رجال منهم ثم اخذوا يلومونه، يقولون"والله ما نعلمك اذنبت ذنبا قبل هذا انك رجل شاعر اعجزت ان تكون أعتذرت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم بما أعتذر اليه المخلفون؟هلا اعتذرت بعذر يرضى عنك فيه ثم يستغفر لك فيغفر الله لك" قال كعب"فما زالوا يؤنبونني حتى هممت ان ارجع اليه فأكذب نفسي لكني قلت هل لقي هذا معي احد؟"قالوا"نعم،رجلان قالا مثلما قلت و قيل لهما مثل ما قيل لك"، قلت"من هما؟"، قالوا"مرارة بن الربيع و هلال بن أمية"،" فاذا هما رجلان صالحان قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، فقلت و الله لا ارجع اليه ابدا و لا اكذب نفسي"، ثم مضى كعب بن مالك حزينا كسير النفس و قعد في بيته، فلم يمض وقت حتى نهى النبي صلى الله عليه و سلم الناس عن كلام كعب و صاحبيه. قال كعب"فاجتنبنا الناس و تغيروا لنا، جعلت اخرج الى السوق فلا يكلمني احد و تنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان فما هي بالحيطان التي نعرف، و تنكرت لنا الارض فما هي بالارض التي نعرف، فاما صاحباي فقعدا في بيوتهما يبكيان ، جعلا يبكيان الليل و النهار و لا يطلعان رؤسهما يتعبدان كانهما الرهبان واما انا فكنت اشد القوم و اجلدهم، كنت اخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين، واطوف في السوق و لايكلمني احد و أتي المسجد فادخل، اتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسلم عليه فلا اسمع رد السلام فاقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي ام لا، ثم اصلي قريبا منه فاسارقه النظر، فاذا اقبلت على صلاتي التفت الي و اذا لمحته ببصري اعرض عني". و مضت على كعب الايام، و الآلام تلد الآلام و هو الرجل الشريف في قومه بل هو من ابلغ الشعراء، عرفه الملوك و الامراء وسرت اشعاره عند العظماء حتى تمنوا لقياه ثم هو اليوم في المدينة بين قومه لا احد يكلمه ولا ينظرإليه، حتى اذا اشتدت عليه الغربة و ضاقت عليه الكربة نزل به امتحان اخر، بينما هو يطوف في المدينة يوما اذا رجل نصراني قد اقبل من الشام فاذا هو يصيح بالناس و يقول" من يدل على كعب بن مالك؟من يدل على كعب ين مالك؟"، فطفق الناس يشيرون له اليه، فاقبل الى كعب فأتاه فناوله صحيفة من ملك غسان من ملك غسان !!! اذن قد وصل خبره الى بلاد الشام، و اهتم به ملك الغساسنة !عجبا ماذا يريد الملك؟؟، فتح كعب الرسالة فاذا فيها"اما بعد، يا كعب بن مالك انه بلغني ان صاحبك قد جفاك و اخطاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك"، فلما اتم كعب قراءة الرسالة قال رضي الله عنه"ان لله، هذا ايضا من البلاء و الشر، قد طمع في اهل الكفر"، ثم مضى بالرسالة فورا الى التنور فاشعله، ثم احرقها فيه و لم يلتفت كعب الى اغراء الملك، نعم، فتح له باب إلى بلاط الملوك و قصور العظماء يدعونه الى الكرامة و الصحبة، يفتح له هذا الباب و المدينة من حوله تتجهم و الوجوه تعبس في وجهه، يسلم فلا يرد عليه السلام و يسأل فلا يسمع الجواب ومع ذلك لم يلتفت الى الكفار و لم يفلح الشيطان في زعزعته او تعبيده لشهوته.القى الرسالة في النار و احرقها. و مضت عليه الايام تتلوها الايام و انقضى شهر كامل و كعب على هذا الحال و الحصار يشتد خناقه، و الضييق يزداد ثقله، فلا الرسول، صلى الله عليه و سلم، يمضي و لا الوحي بالحكم يقضي، فلما اكتملت اربعون يوما، فاذا رسول من رسول الله صلى الله عليه و سلم يأتي الى كعب فيطرق عليه الباب، يخرج كعب اليه لعله جاء بالفرج، فاذا الرسول يقول له"يا كعب ان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرك ان تعتزل امراتك"، قال"أطلقها ام ماذا؟"، قال"لا، ولكن اعتزلها فلا تقربها"، دخل كعب على امراته وقال"إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله بما شاء"، و ارسل النبي صلى الله عليه و سلم الى صاحبي كعب بمثل ذلك. فجاءت إمرأة هلال بن امية و كان شيخاكبيرا، جاءت و قالت"يا رسول الله ان هلال بن امية شيخ كبير ضعيف فهل تأذن لي أن اخدمه؟"، قال" نعم و لكن لا يقربنك"، قالت المرأه"يا نبي الله و الله ما به من حركة الى شيئ، مازال مكتئبا يبكي الليل و النهار منذ كان من امره ماكان"، ثم مضت الى زوجها. و مرت الايام ثقيلة على كعب و اشتدت الجفوة عليه حتى صار يراجع ايمانه، يكلم المسلمين فلا يكلمونه، يسلم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يسمع رد السلام، الى اين يذهب و من يستشير، قال كعب"لما طال علي البلاء ذهبت الى ابي قتادة، و هو ابن عمي و احب الناس الي، فاذا هو في حائط دكانه فتسورت الجدار عليه ودخلت فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام، قلت انشدك الله يا ابا قتادة، اتعلم اني احب الله و رسوله، فسكت،قلت يا ابا قتادة اتعلم اني احب الله و رسوله، فسكت، قلت يا ابا قتادة أنشدك الله اتعلم اني احب الله و رسوله"، فقال ابو قتادة"الله و رسوله اعلم"،سمع كعب هذا الجواب من ابن عمه و احب الناس اليه، لا يدري اهو مؤمن ام لا، فلم يستطع ان يتجلد لما سمع وفاضت عيناه بالدموع ثم اقتحم الحائط خارجا. ذهب الى منزله فجلس فيه يقلب طرفه بين جدرانه، لا زوجة تانسه و لا قريب يجالسه، وقد مضت عليهم خمسون ليلة من حين نهى النبي صلى الله عليه و سلم الناس عن كلامهم. و في الليلة الخمسين، نزلت توبتهم على الرسول صلى الله عليه و سلم في ثلث الليل فقالت ام سلمة"يا نبي الله افلا نبشر كعب بن مالك"، قال"لا، اذن يحطمكم الناس و يمنعونكم النوم سائر الليل". فلما صلى النبي صلى الله عليه و سلم الفجر، اذن الناس بتوبة الله عليهم، فانطلق الناس يبشرونهم، قال كعب"و قد كنت قد صليت الفجر على سطح بيت من بيوتنا، فبينما انا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي و ضاقت علي الارض بما رحبت و ما من شيئ اهم إلي من اموت فلا يصلي علي رسول الله صلى الله عليه و سلم، او يموت فاكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني احد و لايصلي علي احد منهم، فبينما انا على ذلك اذ سمعت صوت صارخ من اعلى جبل تلع باعلى صوته يقول" يا كعب بن مالك ابشر"،فخررت ساجدا و عرفت ان الله قد جاء بالفرج، و اقبل الرجل الي مسرعا و اخرقد جاء الي على فرس فكان صاحب الصوت اسرع من صاحب الفرس، فلما جائني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي و كسوته اياهما ببشراه و والله لا ماأملك غيرهما، و استعرت ثوبين فلبستهما ثم انطلقت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك يا كعب حتى دخلت المسجد على رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلمت عليه فاذا هو يصرخ وجهه من السرور و كان اذا سر استنار وجهه حنى كأنه قطعة قمر، فقال لي"يا كعب بن مالك أبشر بخير يوم مر عليك منذ أن ولدتك أمك"، قلت امن عندك يا رسول الله ام من عند الله؟"، قال" لا بل من عند الله"، ثم تلى عليه الايات، قال"فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله ان من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة لله و لرسوله"، فقال"امسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت"يا رسول الله ان الله انما نجاني بالصدق و ان من توبتي الا أحدث الا صدقا ما بقيت". نعم، تاب الله على كعب و صاحبيه، و أنزل الله في ذلك قرآنا يتلى فقال الله عز و جل{ لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {التوبه/ 117} ، ثم قال الله{وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {التوبه/ 118}. ومن فرح الله عز و جل بالتائبين أنه لايغفر سيئاتهم فقط ، كلا، بل يبدل سيئاتهم حسنات، قال الله عز و جل{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا {الفرقان/ 68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا {الفرقان/ 69} ،
ثم قال الله{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {الفرقان/ 70} وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا {الفرقان/ 71}. و في البخاري أن حكيم بن حزام اقبل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال"يا رسول الله، أرأيت أمورا كنت اتحنت بها في الجاهلية-يعني اعمالا صالحة كنت أتعبد بها من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم –أفيها أجر؟"، فقال صلى الله عليه و سلم(أسلمت على ما أسلفت من خير)، الله أكبر، الذنوب تغفر و السيئات تبدل حسنات و الحسنات التي قبل التوبة تثبت لصاحبها بعد التوبة، فماذا بقي، هو التواب الرحيم الذي وسعت رحمته كل شئ، لكن رحمته قريبة من المحسنين الرجائين التوابين، الذين اذا أذنبوا استغفروا و اذا ذكروا ذكروا، ليست المشكلة في وقوع الذنب لكن المشكلة الكبرى و الداهية العظمى هي أن يألف المرء الذنب ثم يتساهل بخطره فلا يحدث منه توبة، و الله رحيم بالعباد، رحمته أسرع من غضبه و مغفرته أعجل من عقوبته، هو و الله ارحم بعباده من ابائهم و امهاتهم، في الصحيحين ان النبي صلى الله عليه و سلم لما انتهى من حرب هوزان، اتي اليه بأطفال الكفار و نسائهم، جمعوا في مكان فالتفت النبي صلى الله عليه و سلم اليهم فاذا امراة من السبي، ام ثكلى تجر خطاها تبحث عن ولدها وفلذة كبدها، قد اضطرب امرها و طار صوابها واشتد مصابها، تطوف على الاطفال الرضع تنظر في وجوههم، يكاد ثديها ان يتفجر من احتباس اللبن فيه، تتمنى لو ان طفلها بين يديها تضمه ضمة و تشمه شمة ولو كلفها ذلك حياتها، فبينما هي على ذلك اذ وجدت ولدها فلما رأته جف دمعها و عاد صوابها ثم انكبت عليه و انطرحت بين يديه وقد رحمت جوعه و تعبه و بكاؤه و نصبه فاخذت تضمه و تقبله ثم الصقته بصدرها و القمته ثديها، نظر الرحيم الشفيق صلى الله عليه و سلم اليها وقد أظمأها التعب و عظم النصب وقد طال شوقها الى ولدها واشتد مصابه و مصابها، فلما رأى ذلها و انكسارها و فجيعتها بولدها فالتفت الى أصحابه ثم قال(اترون هذه طارحة ولدها في النار؟)-يعني لو اشعلنا نارا ثم أمرناهاأن تطرح ولدها فيها أترون أنها ترضى-، فعجب الصحابة الكرام، كيف تطرح ولدها و هو فلذة كبدها و عصارة قلبها، كيف تطرحه و هي تلتمه و تقبله وهي تغسل وجهه بدموعها، كيف تطرحه وهي الام الرحيمة و الوالدة الشفيقة، قالوا"لا،لا، والله يا رسول الله لا تطرحه في النار"، وهي تقدر على الا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم(و الله لله ارحم بعباده من هذه بولدها)، نعم،و الله ربنا ارحم بنا من امهاتنا اللاتى ولدننا و من سعة رحمته عز و جل أنه عرض التوبة على كل أحد مهما أشرك العبد و كفر أو طغى و تجبر فان الرحمة معروضة عليه و باب التوبة مشرع بين يديه. و انظر الى ذلك الشيخ الهرم الذي كبر سنه و انحنى ظهره و رق عظمه، أقبل يوما على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو جالس بين أصحابه، أقبل يجر خطاه وقد سقط حاجباه على عينيه وهو يستند على عصى من الكبر، جاء يمشي حتى قام بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال بصوت تصارعه الآلام "يا رسول الله أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة – يعني لا صغيرة و لا كبيرة الا أتاها-لو قسمت خطيئته على أهل الارض لأوبقتهم، فهل لذلك من توبة؟"، ثم سكت الشيخ فرفع النبي صلى الله عليه و سلم بصره اليه، فاذا شيخ قد انحنى ظهره و اضطرب امره قد هده مرالسنين و الاعوام و أهلكته الشهوات والآلام فقال له صلى الله عليه وسلم"فهل أسلمت؟"، قال"أما انا فاشهد الا اله الا الله و أنك رسول الله"، فقال صلى الله عليه و سلم(تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن)، فعجب الشيخ و فرح وقال " وغدراتي و فجراتي"، قال(نعم) فصاح الشيخ فقال"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر"، فمازال يكبر حتى توارى عنه، و الحديث رواه الطبراني و البزار و قال المنذري اسناده جيد قوي و قال بن حجر هو على شرط الصحيح. و ذكر بن خزامى في التوابين أن بني ا سرائيل أصابهم قحط شديد على عهد موسى عليه السلام، فاجتمعوا الى موسى، قالوا"يا كليم الله، ادعوا لنا ربك أن يسقينا الغيث"، فقام معهم و خرجوا الى الصحراء وهم سبعون الفا او يزيدون، فرفع موسى يديه و قال"إلهي اسقينا غيثك و انشر علينا رحمتك وارحمنا بالاطفال الرضع و البهائم الرتع و المشايخ الركع"، فمازال يدعو و يبتهل فما زادت السماء الا تقشعا و الشمس الا حرارة، قال موسى"الهي اسقنا غيثك"، فقال الله"يا موسى،كيف اسقيكم و فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ اربعين سنة، فنادي في الناس فليخرج من بين أظهركم فبه منعتكم الغيث"، فصاح موسى "يا ايها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ اربعين سنة بالمعاصي اخرج من بين أ ظهرنا فبك منعن المطر من السماء"، فنظر العبد العاصي ذات اليمين و ذات الشمال فلم يرى احدا خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه"ان انا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني اسرائيل و ان قعدت بينهم منعوا القطر لاجلي"، فانكسرت نفسه و دمعت عينه و أدخل رأسه في ثيابه نادما على فعاله و قال"الهي و سيدي، عصيتك أربعين سنة و أمهلتني و قد أتيتك طائعا فاقبلني"، ثم أخذ يبتهل الى خالقه فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت عليهم كأفواه القرب، فعجب موسى قال"الهي سقيتنا و ما خرج من بين أظهرنا أ حد"، فقال الله" يا موسى ان الذي به منعتكم هو الذي به أسقيتكم"، قال موسى"الهي أ رني هذا العبد الطائع"،فقال الله"يا موسى ا ني لم أ فضحه و هو يعصيني أأ فضحه بعد أن أطاعني؟". نعم غفر الله له، و لماذا لايغفر الله له و هو الدي قال لعباده{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الزمر/ 53} وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ {الزمر/ 54} وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ {الزمر/ 55}. و صح عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال"قال الله تعالى"يا ابن أدم انك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي، يا ابن أدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن أدم لو أنك أتيتي بقراب الارض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". نعم، يأتيه بقرابها مغفرة و من رحمة الله تعالى أنه يرى عبده يعصيه فلا يعاجله بالعقوبة بل قد يبتليه بالامراض و الاسقام و المصائب و الآلام ليرده اليه و يطرحه بين يديه فيقرع أبواب السماء بأنواع الدعاء طالبا كشف الضر و رفع البلاء و العبد كلما كان خائفا توابا منيبا لربه أوابا كانت رحمة الله أقرب اليه و فضل الله أوسع عليه، يستجيب الله دعاءه و يكشف عنه بلاءه، كيف لا و قد قال صلى الله عليه و سلم كما عند الترمذي(تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة). ولا أنسى ذلك الشاب الذي عرفته أثناء دراسته الجامعية، عرفته شابا من أحسن من رأيت منظرا و قواما يتفجر الشباب و الصحة من جوانبه، لكنه كان شابا من عامة الشباب انقطعت العلاقة بيننا بعد تخرجه و ذات يوم اتصل بي و طلب مني زيارته و قال"أنا لاأستطيع زيارتك، لا تسألني لماذا، اذا جئت عرفت السبب"، قال هذا بكلام حزين و صوت مكتئب. وصف لي طريق منزله، طرقت الباب، فتح لي أخوه الصغير ثم أدخلني لغرفة أخيه، فاذا هو على سرير أبيض بجانبه عكاز و جهاز يلبس في الرجل لأجل المشي و مجموعة من الأدوية، أما هو فجسد متهالك ملقا على السرير حاول جاهد الوقوف على قدميه للسلام لكنه لم يستطع، جلست عند رأسه أدافع عبراتى و الله، قلت له"يا فلان، عفوا أنا لم أعلم بمرضك من قبل، و لكن ما الذي أصابك؟ ألم تتخرج من الكلية؟ألم تكن تحدثني أنك ستتزوج و تبني منزلا و تشتري سيارة؟"، قال" نعم، و لكن حدث ما لم يكن فى حسابي.تخرجت قبل أشهر معدودة و عملت في وظيفة مرموقة و مضت علي الأيام لا يكدر صفوها الا صداع ينتابني أحيانا، ثم بدأ الصداع يشتد و يصاحبه ضعف في النظر حتى اشتد ذلك علي، في أحد الأيام فذهبت الى المستشفى فلما قابلني الطبيب عمل لي التحاليل ثم طلب إجراء أشعة على الرأس، فلما أجريت الأشعة، أخد الطبيب يقلب أوراقها بين يديه وهو يردد"لاحول ولاقوة الا بالله"، ثم رفع سماعة الهاتف و استدعى مجموعة من كبار الأطباء، بدأوا جميعا يقلبون نتائج التحاليل و يتأملون صور الأشعة و يتحدثون باللغة الانجليزية و يسارقونني النظر. مضت قرابة ساعة على هذا الحال و أنا في حال لا أحسد عليه و كنت أقول في نفسي، المسألة حلها سهل حبة أو حبتان من مسكن الصداع مع قطرة للعين و ينتهي كل شيئ، و فجأة التفت الي أحدهم و قال"اسمع يا فلان، التقارير و الأشعة تدل على أنك مصاب بورم في الرأس، سرطان، حجمه يزداد بسرعة مخيفة وهو الآن يضغط على عروق العين من الداخل و في أي لحظة قد يزداد الضغط فتتفجر عروق العين فتصاب بالعمى ثم تصاب بنزيف داخلي في الدماغ ثم تموت"، صحت بأعلى صوتي"يا دكتور ماذا، كيف ، متى، ورم؟؟ وأنا في هذا السن؟، قال" نعم، ولا بد من علاجه بسرعة، الليلة ندخلك المستشفى و نكمل التحليلات اللازمة وفي الصباح نزيل جزءا من عظم الجمجمة و نخرج الورم ثم نعيد العظم الى مكانه"، ثم مد الي أوراق العملية لأوقعها، فلما رأيت ذلك صرخت و رفضت أن أوقع عليها ثم خرجت و أنا أدافع عبراتي و أتفكر الى أين أذهب، الى البيت أم أرجع الى المستشفى ، و بعد تفكير سريع، قررت أن أذهب الى مستشفى آخر، و بعدما أ جريت الي التحاليل و الأشعة ، أخبرني الطبيب بما أ خبرني به صاحبه و طلب مني المسارعة با جراء العملية، كانت الصدمة علي أهون، اتصلت بوالدي فحضر الى المستشفى، شيخ كبير تجاوز السبعين، فلما رآ ني فزع وقال لي" مالذي جاء بك الى هنا؟"، قلت له تعلم يا أبي أني أشكو من صداع دائم و الفحوصات تدل على وجود ورم في الرأس ولا بد من اجراء عملية عاجلة، سمع أبي هذه الكلمات فصاح بي"لا حول و لاقوة الا بالله"، ثم جلس على الأرض وهو يردد"انا لله و ان اليه راجعون ، اذن نرسلك الى أخيك في أمريكا"، قال هذه الكلمات وهو يتذكر معاناته منذ سنة كاملة مع أخي الأكبر الذي يعالج منذ سنة في أمريكا من مرض السرطان، كم رأيت أبي يبكي في الهاتف وهو يكلمه، كم كان يدعو له آخر الليل، أخذت أنظر الى أبي و دموعه تجري على خديه وهو يرى أولا ده يموتون بين يديه، فأخي الأصغر توفي منذ سنتين في حادث سيارة و أخي الأكبر يصارع الموت في أمريكا و أنا في أول طريق لا تعرف نهايته. سافرت الى أمريكا، وصلنا الى المستشفى، عملوا لي الفحوصات بسرعة، و في الصباح أدخلوني الى غرفة العمليات، حلق الطبيب شعر رأسي و بعد أن خدرني قطع فروة الرأس على هيأة دائرية ثم بدأ ينشر الجمجمة حتى نزع أعلاها، وضع العظم في جانبه ثم أخرج الورم.مضت ساعة و ساعتان و العملية تسير على ما يرام، و فجأة اضطرب الدم في عروق الدماغ ثم توقف الدم في الشرايين و أصابتني جلطة في الدماغ، اضطرب الطبيب و حرك خطأ بعض أجزاء المخ فأصابني شلل نصفي في الجزء الأيسر من جسمي، فلما رأى الطبيب ذلك، أنهى ما تبقى من العملية بسرعة، و أعاد عظم الجمجمة الى مكانه و غطى فوقه بالجلد و خيط المكان ثم حملوني الى غرفة العناية المركزة- الانعاش-، مكثت بعد العملية في غيبوبة تامة لمدة خمس ساعات ، ثم أصابتني جلطة في الرجل اليسرى، حملوني سريعا الى غرفة العمليات، فتحوا صدري و عالجوا الجلطة ثم أعادوني الى غرفة الانعاش، استقرت حالتي أربع ساعات ثم أصبت بنزيف شديد في الرئة ، حملوني سريعا الى غرفة العمليات، فتحوا صدري مرة أخرى و عالجوا النزيف ثم أعادوني الى غرفة الانعاش. ضاق الطبيب بأمري درعا، أمراض متتابعة ، حالة متقلبة، مفاجئات ، لا آخر لها، استقرت حالتي أربعا و عشرين ساعة، أحس الطبيب بشيئ من الانتعاش و السرور ، و فجأة بدأت حرارة جسدي ترتفع بشكل مخيف، أجرى الطبيب فحصا سريعا فاكتشف أن العظم الذي استخرج الورم من تحته قد أصابه التهاب شديد، استدعى الطبيب فريق العمليات ،حملوني كالجنازة و ألقوني على سرير في غرفة العمليات، بدأت أنظر اليهم لا أملك من أمري شيئا، رفعت بصري الى السماء، بكيت، أخذت أردد متضرعا، ربي اني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين، ثم رفعت بصري الى السماء و قلت يا أرحم الراحمين، ان كانت هذه عقوبة فأسألك الرحمة و المغفرة و ان كانت بلاء فارزقني الصبر على البلاء و عظم لي الأجر و الجزاء، ثم ذكرت هادم اللذات، و الله لقد عظمت كربتي و ذهبت قوتي و غدا يصبح التراب فراشي، عمري محدود و نفسي معدود و جسمي عما قريب يأكله الدود، آه اذا زلت يوم القيامة القدم و ارتفع البكاء و طال الندم، ويلي اذا قدمت على رب يحاسبني على الصغير و الكبير، يوم تزل بالعصاة الأقدام و تكثر الآهات و الآلام و تنقضي اللذات كأنها أحلام، ثم بكيت ، نعم، بكيت و تمنيت البقاء في الدنيا، و الله لا للتمتع بها، فقد طابت نفسي منها و انما لأصلح علاقتي بربي جل جلاله. و فجأة أقبل الطبيب الي و أمر بتخديري تخديرا عاما ثم انتزع فروة الرأس التي تغطي العظم و أخرج العظم و وضعه جانبا ثم أعاد الجلد فوق الدماغ من غير العظم. و بعد ساعات، أفقت من اغماء، تحسست رأسي فاذا هو لين، عجبا، أين العظم؟، سألت الطبيب أين بقيت رأسي؟، فقال لي بكل برود"عظمك يبقى عندنا لتعقيمه، و بعد ستة أشهر تعال الينا لتعيده مكانه". مكثت في أمريكا شهرا واحدا ثم رجعت الى الرياض و ها أنا ذا أنتظر الأشهر الستة لأستعيد بقية رأسي "، ثم قال" لقد كنت في غفلة عن حياتي، منغمسا في أمر معاشي، ناسيا الموت و البلاء، حريص على الحياة الدنيا، أما اليوم فقد ولدت من جديد". ثم طلب مني أن أقرأ عليه شيئا من القرآن، فلما وضعت يدي على رأسه لأقرأ عليه الفاتحة، دخلت أصابعي داخل رأسه، فو الله ما استطعت أن أبقيها هناك، رفعتها مباشرة ثم وضعتها على صدره و قرأت عليه شيئا من القرآن بالرقية الشرعية. و مضت الأيام و شفي من الشلل و استطاع المشي و بعد سبعة أشهر جئته زائرا فاذا وجهه متهلل مسرور ثم ناولني بطاقة يدعوني فيها الى زواجه، و أعرفه اليوم من أحرص الناس على فعل الخير و الدلالة عليه و الدعوة اليه و المساعدة في طباعة الكتب و توزيعها بل و فى الاحسان الى الضعفاء و نجدة الفقراء و التنسيق للمحاضرات و الكلمات الوعضية، الى غير ذلك من وجوه الخير، و رب محنة في طيها منحة. أيها الاخوة و الاخوات، التائبون أخوف الخلق الى الله تعالى، و الله أخبر أنه يحب التوابين لكنه يبغض المعتدين الظالمين، و كم من عاص يمسي و يصبح ضاحكا وربه من فوقه يلعنه و الملائكة تبغضه و الصالحون يدعون عليه و النار تشتاق اليه، أتم الله له سمعه و بصره و سلم له عقله و فكره، فبارز ربه بالعصيان و صار من أنصار الشيطان، يعصي ولايتوب و يتتبع الشهوات و الذنوب، عجبا! ينعم الله عليك و تعصيه بنعمه، هب أنك كنت مشلولا مقعدا أومريضا مجهدا أو كنت مسلوب السمع و البصر، كيف يكون حالك؟. دخلت مرة على مريض في مستشفى ، فلما أقبلت اليه، فاذا رجل قد بلغ من العمر أربعين سنة من أنضر الناس و جها و أحسنهم قواما لكن جسده كله مشلول لا يتحرك منه ذرة الا رأسه و بعض رقبته، دخلت غرفته فاذا جرس الهاتف يرن، فصاح بي و قال" يا شيخ، أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال"، رفعت سماعة الهاتف ثم قربتها الى أذنه و وضعت وسادة تمسكها و انتظرت قليلا حتى أنهى مكالمته ثم أبعد رأسه قليلا ثم قال"يا شيخ، أرجع السماعة مكانها"، فأرجعتها مكانهاثم سألته و قلت"منذ متى و أنت على هذا الحال؟"، فقال"منذ عشرين سنة و أنا مقعد أسير على هذا السرير". و حدثني أحد الفضلاء أنه مر بغرفة في المستشفى، فاذا فيها مريض يصيح بأعلى صوته و يأن أنينا يقطع القلوب، قال صاحبي "دخلت فاذا جسده كله مشلول وهو يحاول الالتفات و الحركة فلا يستطيع، سألت الممرض ما سبب صياحه، فقال"هذا مصاب بشلل تام و تلف في الأمعاء و بعد كل وجبة غداء أو عشاء يصيبه عسر في الهضم"، فقلت لا تطعموه شيئا ثقيلا، أطعموه طعاما سهلا، جنبوه أكل اللحم و الأرز، فعجب الممرض و قال"أتدري ماذا أطعمته؟ و الله ما دخل الى بطنه الا كأس من حليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه و كل هذه الآلام ليهضم هذا الحليب". كل هذه الآلام ليهضم هذا الحليب، هذا حال أولئك المرضى، فأنت، يا سليما من الأمراض و الأسقام، يا معافا من الأدواء و الأورام يا من تتقلب في النعم و لا تخشى النقم، ماذا فعل الله بك فبارزته بالعصيان، بأي شيئ آذاك، أليست نعمه عليك كثرى و أفضاله عليك لا تحصى، اما تخاف أن توقف بين يدي الله غدا، فيقول الله لك "يا عبدي، ألم أصح لك في بدنك، ألم أوسع عليك في رزقك و أسلم لك سمعك و بصرك"، فتقول"بلى"، فيسألك العزيز الجبار"فلما عصيتني بنعمي و تعرضت لغضبي و نقمي"، فعندها تنشر في الملئ عيوبك و تعرض عليك ذنوبك، فتبا للذنوب، ماأشد شئمها و أعظم خطرها، و هل أخرج أبانا من الجنة الا ذنب من الذنوب، و هل أغرق قوم نوح الا الذنوب، و هل أهلك عادا و ثمود الا الذنوب، و هل قلب على قوم لوط ديارهم و عجل لقوم شعيب عذابهم و أمطر على أبرهة حجارة من سجيل و أنزل بفرعون العذاب الوبيل، الا المعاصي و الذنوب، قال الله{ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {العنكبوت/ 40}. و لا تعجب، لا تعجب اذا عذبت بذنبك في الدنيا، فمرضت في بدنك أو ابتليت في ولدك أو خسرت في تجارتك أو ضاق عليك رزقك، قال الله {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ، لماذا أخذهم الله؟،" فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ{غافر/ 21}. فبادر الى التوبة من ذنوبك و
اندب زمانا سلفا سـودت فيه الصحفا..
و لم تزل معتــكفا على القبيح الشنع..
كم ليلة أ ودعــتها، مآتما أبــدعتها..
لشهــوة أطعتها في مرقد و مضجع..
و كم خطا حـثثتها في خزية أحدثــها..
و توبــة نكثتها لملعــب و مرتع..
وكم تجرأت على رب السـماوات العلى..
و لم تراقبه و لا صــدقت فيـما تدع..
فالبس شعار الندم واسكب شئابيـب الدم..
قبل زوال القــدم وقبل سوء المصرع..
واخضع خضوع المعترف و لذ ملاذ المقترب..
واعصى هواك و انحرف عنه انحراف المقلع..
فيا خسارى من بغى و من تعدى و طغى..
و شب نيران الوغــى لمطعم أو مطمع..
و لقد كان الصالحون يصبرون أنفسهم على الطاعات و ينهونها عن المحرمات و يجعلون موعد الراحة الجنات هم يستطيعون أن يزنوا، أتظنهم عاجزين عن ذلك يستطيعون أن يمتعوا أعينهم بالنظر الى المحرمات، و أسماعهم بسماع الأغنيات، و يكثروا أموا لهم بالربى، يستطيعون ذلك كله، نعم، يستطيعون، و ما الذي يمنعهمن ما الذي يمنعهم، يخافون من ربهم عذاب يوم عظيم. كان الامام أحمد بن حنبل رحمه الله يكثر على نفسه التعبد و الصلاة و القيام ، قال له ابنه عبد الله يوما" يا أبتي متى ترتاح؟"، فقال أبو عبد الله" أرتاح اذا وضعت اولى قدمي في الجنة"
فاجمع قواك لما هناك و غمض العينين و اصبر ساعة لزمان..
ما هاهـــــنا و الله ما يسوى كلامة ظفر واحدة ترى بجنان..
يا غافلا عما خلقت له ، انتبه، جد الرحيل فلست باليقظان..
سار الرفاق و خلفوك مع الأو لى طمعوا بذا الحظ الخسيس الفان..
و رأيت أكثر من ترى متخلفا فتبعتهم و رضيت بالحرمان..
و الله، لا يرضى بهذا تائــب ذو هــــمة، طلبا لهذا الشان..
و الله، ما ينجي الفتى من ربه شيئ سوى التقوى مع الايمان..
و لسوف تعلم حين ينكشف الغطاء، ماذا صنعت و كنت ذا امكان..
أما الحياة بعد التوبة فهي الحياة التي خلقت لأجلها و أوجدك الله لها، أي لذة في الحياة اذا كنت تشعر في كل لحظة منها أنك عدو لله، متتبع للشهوات، واقع في المحرمات، ربك الذي يطعمك و يسقيك ، و اذا مرضت فهو يشفيك، وهو الذي يميتك ثم يحييك، بل كل شعرة من شعراتك و ذرة من ذراتك لا تتحرك الا باذنه نعم، ومن صدق لله في توبته، تحول بعدها الى جندي من جنود هذا الدين، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يحمل هم الاسلام، و لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، يبسط أحدهم يده فيبايعه بها رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يستشعر أنه بهذه البيعة أصبح جنديا من جنود هذا الدين. ذكرأبن اسحاق و أصل القصة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه و سلم لما تمكن في المدينة، بدأ يبعث أصحابه الى ما حوله من القرى و الوديان، يدعون الناس الى الاسلام، بعث أحد الصحابة الى وادي النعمان قرب الطائف، وصل ذلك الصحابي اليهم، فاذا أعراب في بواديهم لا يعقلون من الحياة الا الابل و الغنم، دعاهم الى الله و أبان لهم الدين فأعرضوا، فانطلق رجل منهم الى المدينة لينظر خبر هذا النبي. انطلق الرجل على بعيره حتى وصل الى المدينة ثم دخلها فأقبل يصيح بين الناس"أين بن عبد المطلب؟، أين بن عبد المطلب؟"،لم يقل أين بن عبد الله، لأن والد النبي صلى الله عليه و سلم عبد الله توفي شابا فاشتهر باسم جده،"أين بن عبد المطلب؟"، فقال له قائل"ان ابن عبد المطلب في المسجد، اذهب اليه". توجه ذلك الرجل الى المسجد، فبينما رسول الله صلى الله عليه و سلم جالسا مع أصحابه، اذ أقبل الاعرابي الكل، قد جعل شعره ضفيرتين، أناخ بعيره على باب المسجد و عقله ثم دخل المسجد ثم بدأ يصيح"أيكم بن عبد المطلب؟"، فقال صلى الله عليه و سلم" أنا بن عبد المطلب"، قال"محمد؟؟"، قال"نعم"، قال"يا ابن عبد المطلب، اني سائلك و مغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك علي "، قال صلى الله عليه و سلم"لا أجد في نفسي، سل عن ما بدا لك"، قال" يا محمد، من رفع السماء؟"، قال" الله"، قال"فمن بسط الارض؟"، قال" الله"، قال" فمن نصب الجبال؟"، قال" الله"، قال" فأسألك بالذي رفع السماء و بسط الارض و نصب الجبال، آ الله بعثك الينا رسولا؟"، قال صلى الله عليه و سلم" اللهم نعم"، قال" فأنشدك بالذي أرسلك، آ الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا شريك له و أن نخلع هذه الأنداد التي كان يعبد ها آبائن؟"، قال" اللهم نعم"، قال" فأسألك بالذي أرسلك، آ الله أمرك أن نصلي خمس صلوات؟"، قال"اللهم نعم"، قال" آ الله أمرك أن نزكي أموالنا؟، آ الله أمرك أن نصوم؟"، و النبي صلى الله عليه و سلم يقول(اللهم نعم، نعم). حتى اذا فرغ قال" فانا ضمام بن ثعلبة أخو أبي بكر بن سعد و اني أشهد أن لا اله الا الله و أشهد أنك رسول الله و سأعمل بهذه الفرائض و أجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد على ذلك و لا أنقص منه"، ثم ولى النبي صلى الله عليه و سلم ظهره و مضى خارجا من المسجد. رجع الى بعيره و ركب عليه ثم انطلق به الى بلده. و كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أشار اليه لما ولى و قال" ان يصدق ذو العقيقتين يدخل الجنة". مضى ذلك الرجل حتى قدم على قومه، فأقبلت اليه زوجته، فلما سلمت عليه قال لها "اليك عني، تبا للات، تبا للعزى"، قالت له" يا ضمام، اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون"- كانوا يرون أن الذي يسب تلك الألهة يصاب بهذه الأ مراض، قال لها"أنها و الله انها لا تضر و لا تنفع"، ثم مازال بها حتى أسلمت. فأقبل اليه أبوه، فقال" يا أبتي، تبا للات،تبا للعزى"، قال" يا ضمام، اتق البرص، اتق الجدام، اتق الجنون، اللات و العزى الهك و الاه أبائك و أجدادك، طالما تقربت اليها و سجدت بين يديها، طالما سألتها الحاجات و كشف الكربات، اتق الجنون"، قال يا أبتي، و الله انها لاتضر ولا تنفع"، فمازال بأبيه حتى اسلم، ثم بدأ يسير في قومه يقول لهم" ويلكم يا قوم، انهما ما يضران ولا ينفعان، ان الله قد بعث اليكم رسولا و أنزل اليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، و اني أشهد أن لا اله الا الله و أن محمدا عبده و رسوله، و قد جئتكم من عنده بما أمركم به و ما نهاكم عنه"، فما زال يستميت في دعوة قومه و يستنقذهم من النار حتى ما غابت الشمس ذلك اليوم و في قومه أ حد كافر. هل نجد عند التائبين اليوم مثل هذا الحماس من اجل الدين و مناصرة المؤمنين، كم من تائب اليوم كان في جاهليته رأسا في المنكرات و الدعوة الى الشهوات، لكنه بعد توبته و صلاحه و ا ستقامته، أصبح ذيلا بعد أن كان رأسا، راجلا بعد أن كان فالتا، عجبا، جبار في الجاهلية خوار في الاسلام، لا ينفع الاسلام و لا المسلمين، لا في دعوة ولا اصلاح و لا في تعليم جاهل و لا في نصح غافل، و من عظم قدر ربه في قلبه حاسب نفسه أشد المحاسبة في عمله للسيئات و تقديمه للحسنات، و ماذا قدم لهذا الدين. ذكر أنه كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه مملوك يعمل و يشتري طعاما كل يوم، فأتاه ليلة بطعام، فتناول أبو بكر منه لقمة فقال له المملوك"مالك كنت تسألني كل ليلة عن الطعام و لم تسألني الليلة؟"، فقال" حملني على ذلك الجوع، فمن أين جئت بهذا؟"، فقال المملوك"مررت بقوم بالجاهلية فتكهنت لهم- أي ادعيت لهم علم الغيب- و لا أحسن الكهانة فوعدوني بأجرة، فلما كان اليوم مررت بهم، فاذا عندهم عرس، فأعطوني هذا الطعام"، قال أبو بكر"أف لك، كدت تهلكني و الله"، ثم أدخل يده في حلقه، فجعل يحاول أن يتقيأ فلا يستطيع، فقيل به"ان هذه لا تخرج الا بالماء"، فدعى بدفق من ماء، فجعل يشرب و يجعل أصبعه في حلقه و يتقيأ حتى رمى بها، قيل له" يرحمك الله، كل هذا من أجل لقمة واحدة"، قال" نعم، و الله لو لم تخرج الا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول(كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به)فخشيت أن ينبت شئ من جسدي شيئ من هذه اللقمة". أما شهيد المحراب، العابد الأواب عمر بن الخطاب، فله في محاسبة النفس شئن عجيب. ذكر صاحب الحلية أن عمر رضي الله عنه،،بعث اليه أميره في الشام زيتا في قرب ليبيعه و يجعل المال في بيت مال المسلمين، جعل عمر يفرغه للناس في آنيتهم وكلما فرغت قربة من القرب قلبها ثم عصرها ثم ألقاها بجانبه و كان بجواره ابن له صغير، فكان الصغير كلما القى أبوه قربة من القرب أخذها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان، ففعل ذلك بأربع قرب أو خمس و يدلك بها وجهه و شعره، فالتفت اليه عمر فجأة، فاذا الصغير شعره حسن و وجهه حسن، قال له عمر" إدهنت؟"، قال"نعم"،قال"من أين؟"، قال"مما يبقى في هذه القرب"، فقال عمر" اني أرى رأسك قد شبع من زيت المسلمين بغير عوض، لا والله لا يحاسبني الله عز وجل على ذلك"، ثم جره بيده الى الحلاق و حلق شعره خوفا من قطرة و قطرتين. هذا حال المتقين، الأوابين الخاشعين، أما المتهالكون في الشهوات، فهم و الله في شقوة في حياتهم و حسرة عند مماتهم، قال الله {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}. حدثني أحد الأطباء، قال" دخلت الى غرفة العناية المركزة في المستشفى و لفت انتباهي شاب في الخامسة و العشرين من عمره، مصاب بمرض الايدز، حالته خطرة جدا، كلمته برفق فأجاب بكلمات غير مفهومة، اتصلت بأهله فحضرت أمه، سألتها عن حال ابنها، فقالت" كانت حاله على ما يرام حتى تعرف على تلك الفتاة"، قلت" هل كان يصلي؟"، قالت" لا، لكنه كان ينوي أن يتوب و يحج في آخر عمره"، قال" فبينما أنا أتكلم معها، اذ بدأت الأجهزة الموصلة بالشاب تصفر بشكل مرعب، اقتربت من الفتى المسكين فاذا النفس مضطرب و النبض يضطرب و اذا هو يعايش سكرات الموت، اقتربت من أذنه قلت لا اله الا الله، قل لا اله الا الله، بدأ يفيق و ينظر الي، المسكين يحاول بكل جوارحه، الدموع تسيل من عينيه، وجهه يتغير الى السواد، و أنا أردد، قل لا إله الا الله ، بدأ يتكلم بصوت متقطع، يقول" آآآه ه، آآآ ه ه، ألم شديد، آآآه ه، أريد مسكنا للألم"، و يردد"آآآه ه"، بدأت أدافع عبراتي، أقول له قل لا اله الا الله، بدأ يحرك شفتيه بصعوبة، فرحت، سينطقها الآن، لكنه قال" لا أستطيع، لا أستطيع، أريد صديقتي، أريد صديقتي". الأم تنظر و تبكي ، النبض يتناقص بل يتلاشى، لم أتمالك نفسي، أخذت و الله أبكي بحرقة، أمسكت يده أخذت أنفضه و أعيد المحاولة، أرجوك، أرجوك قل لا اله الا الله، و هو يردد"لا أستطيع، لا أستطيع، لا أستطيع"، ثم بدأ يشهق و يشهق و ينتفض و يحاول الصراخ فلا يقدر،توقف النبض، انقلب و جه الفتى أسودا ثم مات، و انهارت الأم و ارتمت على صدره تصرخ و تصرخ و أنى ينفعه صراخها أو حزنها و نحيبها و قد مضى الى ربه، لم تنفعه شهواته و لا ملذاته، طالما اغتر بشبابه، و جمال سيارته و ثيابه، ثم هو اليوم تجالسه في قبره أعماله و تحيط به أعماله وأفعاله، ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. قارن حال هذا الشاب بذلك الشاب الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، كان في المسجد يتلو القرآن و ينتظر اقامة صلاة الفجر، فلما أقيمت الصلاة رد المصحف الى مكانه ثم نهض ليقف في الصف فاذا به يقع على الأرض فجأة مغمى عليه، حمله بعض المصلين الى المستشفى، فحدثني الدكتور الجبير الذي عاين حالته، قال" أتي الينا بهذا الشاب محمولا كالجنازة، فلما كشفت عليه فاذا هو مصاب بجلطة في القلب لو أصيب بها جمل لأردته قتيلا، نظرت الى الشاب فاذا هو يصارع الموت و يعد أنفاس الحياة سارعنا الى نجدته و تنشيط قلبه فأوقفت عنده طبيب الاسعاف يراقب حالته و ذهبت لاحضار بعض الأجهزة لمعالجته فلما أقبلت اليه مسرعا فاذا الشاب متعلق بيد طبيب الاسعاف و الطبيب قد ألصق أذنه بفم الشاب، و الشاب يهمس في أذنه بكلمات، وقفت أنظر اليهما لحظات و فجأة أطلق الشاب يد الطبيب و حاول جاهدا أن يلتفت الى جانبه الأيمن ثم قال بلسان ثقيل" أشهد ألا إله الا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله"، و أخذ يكررها و نبضه يتلاشى و ضربات القلب تختفي و نحن و الله نحاول انقاذه و لكن قضاء الله كان أقوى و مات الشاب بين أيدينا، عندها انفجر طبيب الاسعاف باكيا حتى انه لم يستطع أن يقف على قدميه، فعجبنا قلنا له يا فلان مالك تبكي، ليست هذه أول مرة ترى فيها ميتا أو محتضرا، لكن الطبيب استمر في بكاءه و نحيبه، فلما خف عنه البكاء سألناه ماذا كان يقول لك الفتى، فقال" لما رآك يا دكتور تذهب و تجيئ و تأمر و تنهى، علم أنك الطبيب المختص به و قال لي"يا دكتور قل لصاحبك طبيب القلب لا يتعب نفسه، لا يتعب نفسه، فأنما ميت لا محالة، و الله اني أرى مقعدي من الجنة الآن"- الله أكبر {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {فصلت/ 30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ {فصلت/ 31} نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ {فصلت/ 32} ، هذا هو الفرق بين المطيع و العاصي ، و الفرق الحقيقي يتبين{ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ {عبس/ 34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ {عبس/ 35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ {عبس/ 36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ {عبس/ 37} وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ {عبس/ 38} ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ {عبس/ 39} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ {عبس/ 40} تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ {عبس/ 41} أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ {عبس/ 42} أما الذين صبروا أنفسهم عن الشهوات و منعوها عن المحرمات فقد وعدهم ربهم بجنات تجري من تحتها الأ نهار، تلك الجنة التي دعى لها الله لعباده المؤمنين نزلا و أودعها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، فوا عجبا كيف نالت مطالبها و كيف قرت دونها أعين المشتاقين،
فيها الذي و الله لا عين رأت، كلا، و لا سمعت به الأذنان..
كلا، و لا قلب به خطر اللسان به تعالى الله ذو السلطان..
و بنائها اللبنات من ذهب و أخرى فضة، نوعان مختلفان..
وقصورها من لؤلؤ و زبرجد أو فضة أو خالص العطيان
حصباءها در و ياقوت كذلك نثر كنثر جمــــــان..
و ترابها من زعفران أو من مسك الذي ما استل من غزلان
سكانها أهل القيام مع الصيام و طيب الكلمات و الإحسان..
و خيامها منصوبة برياضها و شواطئ الأنهار ذي الجريان
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان..
من تحتهم تجري كما شاءوا مفجرة و ما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم ماء ثم خمر ثم أنهار من الألبـــــان..
و طعامهم ما تشتهيه نفوسهم و لحوم طير ناعم و سمان
لحم و خمر و النساء و فواكه و الطيب مع روح و مع ريحان..
و صحافهم ذهب تطوف عليهم بأكف أقمار من الولدان
لهم فيها حياة بلا موت و عافية بلا سقم و لا أحزان..
روى مسلم أن النبي صلى الله عيله و سلم قال(يأتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال"يا ابن آدم هل رأيت خير قط؟هل مر بك نعيم قط؟"، فيقول" لاو الله يا ربي"-نعم هذا الرجل الذي ذاق من الدنيا أعظم لذتها و من الحياة غاية لذتها، أنساه كل نعيم الدنيا غمسة واحدة غمسها في النار فكيف به اذا تردى في دركاتها و صارع حياتها و تجرع من زقومها و ضر قفير حميمها، نعم، فكيف به اذا استغاث فيها، و قيل له {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ {المؤمنون/ 108} ، بالله عليك، هل يذكر في تلك الحال فاحشة ارتكبها أو أغنية سمعها أو خمر شربها أو أموال جمعها، كلا بل يقال لهم {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {الطور/ 16} - قال صلى الله عليه و سلم(و يأتى بأشد الناس بِؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له"يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟هل مر بك شدة قط؟"، فيقول"لا و الله يا ربي، ما مر بي بؤس قط و لا رأيت شدة قط)- نعم، أنساه كل بؤس الدنيا غمسة واحدة غمسها في الجنة، فكيف به اذا شرب من أنهارها و تقلب في أحضان حورها، أم كيف به اذا سكن في قصورها و جالس أنبياءها، بل كيف به اذا نظراليه ربه و هو فيها ثم قال له و لأهل الجنة"يا أهل الجنة هل رضيتم؟"، ثم ينظرون الى وجه ربهم جل جلاله، هل يذكر في تلك الساعة شدة طاعة أداها أو حسرة شهوة تركها،كلا بل هو في نعيم دائم، لا يفنى شبابه و لا تبلى ثيابه،قال الله { ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ {ق/ 34} لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ {ق/ 35} ، نعم، لدينا مزيد، روى الترمذي عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال(ان أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر الى جنانه و أزواجه و نعيمه و خدمه و سرره مسيرة الف سنة)،
بالله ما عذر امرء هو مؤمن حقا بهذا ليس باليقظان..
تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتها بنفائس الأثمان..
تليت عليك عرائس و الله لو تتلى على صخر من الصنوان..
رقت حواشيه و عاد لوقته ينهال مثل من الكثبان..
أسأل الله تعالى أن يرزقنا التوبة و الانابة في الأمور كلها. و قبل الختام، هنا أربع مسائل مهمة تتعلق بالتوبة.
المسألة الأولى، أن المعاصي التي تجب التوبة منها تتفاوت، فأكبرها و أعظمها الشرك بالله ، كمن يدعو غير الله في قضاء الحاجات أو يستغيث بالأولياء في كشف الكربات و الله يقول {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ {الأحقاف/ 5} وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ {الأحقاف/ 6}، ومن الشرك تعليق التمائم الشركية في الأجساد أو على الأولاد أو في السيارات أو في البيوت لدفع العين أو السحر أو غيره، قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه أحمد(من علق تميمة فقد أشرك)، و من الشرك، الحلف بغير الله، فلا يجوز الحلف بالكعبة و لا بالأمانة و لا ببركة فلان و لا بالشرف و لا بحياة فلان و لا بجاه النبي و لا بجاه الولي و لا بالآباء و الأمهات، كل ذلك حرام، كما روى أحمد أنه صلى الله عليه و سلم قال(من حلف بغير الله فقد أشرك و من جرى على لسانه شيئ من هذا بغير قصد فكفارته ان يقول"لا إله الا الله)، كما روى البخاري أنه صلى الله عليه و سلم قال(من حلف وقال في حلفه باللات و العزى فليقل لا إله الا الله). ومن أكبر الذنوب استعمال السحر و الكهانة و العرافة، قال صلى الله عليه و سلم كما في المسند(من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)-صلى الله عليه و سلم-"، و قال فيما رواه مسلم(من أتى عرافا فسأله عن شيئ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )، ومن ذلك قراءة أبراج الحظ في الجرائد و المجلات أو الاتصال هاتفيا على بعض من يدعي معرفة الغيب أو سألهم، كل ذلك حرام. و من أكبر الذنوب، بل من الكفر، ترك الصلاة، قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه مسلم(بين الرجل و بين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)، و اذا حكمنا على تارك الصلاة بالكفر، فهذا يقتضي أنه تنطبق عليه أحكام المرتدين فلا يصح أن يزوج فان عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل ، و اذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فان نكاحه ينفسخ و لا تحل له الزوجة الا بعد توبته و بعقد جديد، واذا ذبح لا تقبل ذبيحته و لا يدخل مكة، و لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث فلا يرث الكافر من المسلم ، و اذا مات فلا يغسل و لا يكفن و لا يصلى عليه و لا يدفن مع المسلمين و يحشر يوم القيامة مع الكفار و لا يدخل الجنة و لا يحل لأهله أن يدعو له بالرحمة و المغفرة لأنه كافر. و من أكبر المعاصي التي تجب التوبة منها، الزنى ، وهو أعظم الذنوب بعد الشرك و القتل، قال الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {الأسراء/ 32} ، و في عصرنا فتحت كثير من أبواب الفاحشة، ففشى التبرج و الاختلاط و مجلات الخنى و أفلام الفحش عياذا بالله. ومن المعاصي، أكل أموال الناس أو أكل الربا، قال الله{يا أيها الذين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {البقرة/ 278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} ، و هذا كاف في بيان شناعة هذه الجريمة عند الله ، و قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه مسلم (لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه) و قال(هم سواء)، و في مستدرك الحاكم أنه صلى الله عليه و سلم قال(الربا ثلاثة و سبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)، و عند الامام أحمد، قال صلى الله عليه و سلم(درهم ربا يأكله الرجل و هو يعلم أشد من ست و ثلاثين زنية)، و الحديثان صححهما الألباني . فاتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين. و من المعاصي، شرب المسكرات أو تعاطي المخدرات، قال صلى الله عليه و سلم كما عند مسلم(ان على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخباب)، قالوا" يا رسول الله، و ما طينة الخباب؟"، فقال( عرق أهل النار أو عصارة أهل النار). وصح عند الطبراني أنه صلى الله عليه و سلم قال(من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن ). و قد تنوعت المسكرات و تعددت أسماؤها، أصبحوا يطلقون عليها ''البيرة" و "الشمبانيا"...و غير ذلك، و كل ذلك حرام.و من المعاصي المنتشره، سماع الغناء، و قد قال صلى الله عليه وسلم كمل عند البخاري معلقا(ليكونن من أمتي اقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف)، و صح عند الترمذي أنه صلى الله عليه و سلم قال(ليكونن في هذه الأمة خسف و قذف و مسخ وذلك اذا شربوا الخمور و اتخذوا القينات-يعني المغنيات-و ضربوا بالمعازف). وقد زاد البلاء في عصرنا، دخلت الموسيقى الساعات و الأجراس و ألعاب الأطفال و الكمبيوتر و أجهزة الهاتف و الله المستعان، و يجب علينا جميعا رجالا و نساءا، شبانا و فتيات، أن ننكر هذه المنكرات و أن نناصح أهلها.
المسألة الثانية، ان بعض الناس اذا أراد أن يتوب من معصية الغناء مثلا، قال له الشيطان"لا يصح أن تتوب منها و أنت مدمن على التدخين أو التساهل بالصلاة، فاما أن تتوب منها كلها أو لا تتعب نفسك"، و هذا باطل فان لكل ذنب توبة، يمكن أن تقبل التوبة من معصية مع وجود معاص غيرها، مع وجود المعاصي الأخرى، و لكنه عليه أن يجتهد في التوبة من الدنوب كلها، واعلم أن الوقوع في الذنب مرة أخرى بعد التوبة منه لايعني أن التوبة قد بطلت و ان العبد ييأس و يعود الى المعاصي، لا، بل يسارع الى توبة أخرى ، و صح في السنن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال(ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله الا غفر الله له)، ثم قرأ قوله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {آل عمران/ 135}.
المسألة الثالثة، أن للتوبة شروط،أولها الاقلاع عن الذنب فورا، و الثاني الندم على ما فات و الثالث العزم على عدم العودة ، و الرابع ارجاع حقوق من ظلمهم أو طلب البراءة منهم، أما الخامس فهو أن تكون التوبة في وقت مهلة، فلا تقبل عند الموت ، و لا تأمن متى ينزل بك، و لا تقبل عند طلوع الشمس من مغربها.
المسألة الأخيرة، من أهم عوامل الثبات على التوبة مفارقة مكان المنكر، بل مفارقة الأصحاب الذين يذكرونك به أو يدعونك اليه، و في الصحيحين قصة ذلك الرجل الذي تلطخ بالدماء و قتل الأبرياء حتى قتل تسعا و تسعين نفسا، ثم بدا له أن يتوب ، فشك هل يقبل الله توبته و هو الذي يتم الأطفال و رمل النساء و مزق البيوت ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عابد راهب، فأتاه فقال أنه قتل تسعا و تسعين نفسا ، فهل له من توبة؟، فرفع الراهب بصره اليه، فاذا رجل قد ظلم العباد و أكثر الفساد، قد قسى قلبه و كبر ذنبه ن فقال الراهب"لا،لا، ليست لك توبة"، فغضب الرجل و قتله فكمل به المئة، فمضى من بين يدي الراهب ثم بدا له أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه، فقال انه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟، فقال العالم" نعم، نعم، و من يحول بينك و بين التوبة؟، و لكن انطلق الى أرض كذا و كذا فان بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، و لا ترجع الى أرضك فانها أرض سوء"، انطلق الرجل تائبا حتى اذا انتصفت الطريق نزل به الموت فخر صريعا ميتا، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، قالت ملائكة الرحمة"جاء تائبا مقبلا بقلبه الى الله"، وقالت ملائكة العذاب"انه لم يعمل خيرا قط"، فأتاهم ملك في صورة آدمي ، فجعلوه بينهم حكما ، فقال" قيسوا ما بين الأرضين،فالى أيتهما كان أدنى فهو له"، فأوحى الله تعالى الى الأرض الصالحة أن تقربي و الى الأرض الخبيثة أن تباعدي، من رحمة الله بعباده، فقاسوه فوجدوه أدنى الى الأرض التي أرادها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة . انظر كيف قال له العالم فارق بلدك و اخرج من أرضك فانها أرض سوء و كذلك من كان يريد أن يتوب من الزنى لابد أن يفارق أماكن الاختلاط ، من أراد أن يتوب من ترك الصلاة أو من سماع الغنى أو من أكل الربى، أو أن يتوب من أنواع الشرك ، كل هؤلاء لابد أن يفارقوا كل ما يعينهم على تلك المعاصي.
أسأل الله تعالى بـأسماء الحسنى و صفاته العلى أن يقسم لنا من خشيته ما يحول به بيننا و بين معصيته و من طاعته ما يبلغنا به جنته و أن يغفر لنا ذنوبنا و اسرافنا في أمرنا و أن يغنينا بحلاله عن حرامه و بفضله عمن سواه و أن يتقبل توبتنا و يغفر حوبتنا انه سميع مجيب، كما أسأل الله تعالى ألا يدع من بيننا مريضا الا شفاه، اللهم لا تجعل من بيننا مريضا الا شفيته، اللهم انا نسألك باسمك الأعظم الذي اذا دعيت به أجبت و اذا سالت به أعطيت ألا تدع من بيننا مريضا الا شفيته، اللهم لا تجعل من بيننا مريضا الا شفيته، و لا تدع من بيننا من له ولد مريض أو بنت مريضة أو زوجة أو أب أو أم أو قريب مريض الا شفيته و عافيته، لا تردنا يا حي يا قيوم يا من كان نعم المجيب لأيوب لما دعاه و كشف عنه الضر، اللهم لا تدع لنا مريضا الا شفيته و لا تدع من بيننا مبتلا الا عافيته، و لا تدع من بيننا تائبا الا قبلته و لا عاصيا الا الى توبة صالحة وفقته يا حي يا قيوم، اللهم كما جمعتنا في هذا المكان على غير أنساب تضمنا و لا دنيا تجمعنا، اللهم اجمعنا تحت عرشك يوم القيامة و اجمعنا في الجنة اخوانا على سرر متقابلين، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال و الاكرام، هذا و الله تعالى أعلم، و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد.